يقول صاحب القصة: أنا اسمي فارس،
عمري 32 سنة، متخرج من الجامعة
ولي خمس سنوات. طبعاً تخصصي كان
هندسة. تخرجت وراسي كان مرفوع، كنت
أحلم أني أصير شيء كبير، أساعد
أهلي وأفتخر بنفسي، بس إن الدنيا
علمتني على شيء ما كنت أفكر
فيه أبداً: إن الحق ما يُعطى،
لازم إنك أنت اللي تأخذه، وغالباً
أنك ما تقدر. أنا ولد من
عائلة متوسطة، أبوي متقاعد وامي ربت
منزل، وعندي ثلاث أخوات وأنا الولد
الوحيد. وقتها كنت دائماً أحس بثقل
المسؤولية، بس إني ما كنت أشتكي.
كنت أشيل وأقول إنّي أنا قدها.
تخرجت من الجامعة وقتها وكنت أقدم
بكل مكان، شركة وراء الثانية، وبعضهم
حتى ما كانوا يردون علي. إلى
أن جاء يومٌ من الأيام وجاني
اتصال من الشركة، وكانت شركة مقاولات
ومن هنا بدأت حياتي تتغير، أو
يمكن إنها تنقلب. وصلت الشركة ودخلت
أسوي المقابلة، وجلست قدام مدير الموارد
البشرية، كان اسمه مرزوق. طبعاً مرزوق
هذا من أول نظرة حسيت أن
في حاجة ما هي مريحة. قاعد
يناظرني بنظرة، أنا ما ارتاحت لها،
بس إني وقتها سكت وقلت يمكن
إن هذا الرجال يعني وقتها كان
متوهق أو إنه في شيء. طبعاً
قاعد يسألني أسئلة كثيرة وكلها جاوبت
عليها بثقة. طبعاً أنا من وقتها
كنت متحمس وقلبي قاعد يدق من
الفرح. يعني تخيلوا إنها كانت أول
مقابلة لي وبشكل جدي. وقتها قلت
يا الله، يمكن أخيراً جاء الفرج.
طالع فيني وقال لي: أوكي يا
فارس، إحنا راح نراجع ملفك وبنرد
لك قريب. طلعت من عنده وأنا
عيوني تلمع من الأمل، وبعد أسبوع
جاني اتصال من الشركة قالوا لي:
ألف مبروك تم قبولك. أنا فرحت
صدق، صدق أنا فرحت، وأول شيء
سويته رحت لأمي وحضنتها وقلت: يا
أمي باركي لي، توظفت. وفعلاً بدأت
أيامي الأولى: الشغل كان حلو، الشباب
اللي معاي طيبين، والدوام كان مرتب،
والمدير المباشر كان اسمه أبو ماجد.
أبو ماجد هذا كان رجال كبير
ومحترم، كبير بالسن، وكان يحبني ويحترمني
مره، بس أن الظل اللي كنت
أحسه من مرزوق ما اختفى، كان
باقي موجود. كل ما أمر من
قدامه، يطالعني بنظرة كأنه يقول لي:
فيها شي تبغى. أحياناً يسوي نفسه
إنه ما شافني، وأحياناً تجاهلني إذا
طلبت منه مثلاً توقيع على أوراق
أو شيء. وفي مرة حتى سمعت
زميل لي يقول لي إن مرزوق
ما يحب أحد يلمع غيره، يعني
الرجال يا جماعة باختصار ما يبغى
أحد ينجح ويكون ناجح، خصوصاً إذا
أحس إنك ممكن تأخذ مكانه. والمصيبة
اللي صارت لي ما صارت إلا
بعد ست شهور. جاء يوم عادي
وروحت دوامي كالعاده، إلا ويوقفني الحارس
عند الباب. قال لي: أنت فارس؟
قلت له: إيه. قال لي: مرزوق
يقول لا تدخله ويقول لك: تعال
بعد الظهر وقابل المدير العام. طبعاً
أنا وقتها انصدمت، وش السالفة؟ أنا
وش سويت؟ ما في أي خصم
ولا غياب ولا شيء. ورجعت على
البيت وأنا قلبي يعورني، وجلست أطالع
في السقف وأسأل نفسي: هل أنا
غلطت؟ سويت شيء أنا ما أدري
عنه؟ ماني عارف إيش؟ وجا الظهر
ورحت للشركة ودخلت على المدير العام،
ولقيت مرزوق جالس. وأنا عرفت إنه
هو اللي مرتب السيناريو بالكامل. المدير
فتح الملف وقال لي: فارس، عندنا
شكوى ضدك فيها تقصير واهمال في
تسليم التقارير واتهامات مهنية. يا جماعة،
إيش هذا الكلام؟ أنا هنا حسيت
إن الدنيا قاعدة تدور، أنا مو
عارف إيش السالفة، إيش هذا الكلام
الكبير؟ قلت له: يا أستاذ، الكلام
هذا مو صحيح، التقارير أنا أرسلها
كل أسبوع، وأرسلها لأبو ماجد وهو
يوقعها ويشوفها بنفسه. طبعاً وأنا أتكلم،
قلت هذا الكلام، مرزوق تدخل وقال:
بس إن التقارير اللي عندنا غير
وفيها تلاعب بالأرقام ومن مصادر داخلية.
طبعاً أنا عرفت إن مرزوق هو
اللي لفقها لي. المدير، إيش قال؟
قال: إحنا بنفتح تحقيق، يعني تحقيق
داخلي وبنوقفك مؤقتاً. طلعوني من المكتب
وأنا كأني طلعت من قبر. الناس
تشوفني بنظرات شفقة وبعضهم يهمس. رجعت
البيت وأمي قاعدة تناظرني بعيونها اللي
دائماً دموعها تفضحها، وقالت: ش صاير
يا يمه؟ قلت: يا أمي بس
ادعي لي، الظلم كبير وأكبر من
قلبي. رحت لغرفتي وقلبي مشتعل، كنت
أقلب في ملفاتي وقاعد أفتش في
إيميلي، وقاعد أجمع الأدلة أبغى شيء
يثبت براءتي بأي وسيلة. طلع إن
كل شيء أنا كنت مسويه صح.
التقارير اللي يقولون إن في تلاعب
فيها، أنا كنت أرسلها لأبو ماجد،
وهو كان يراجعها كل أسبوع، بس
إن أبو ماجد اختفى. أيوه، من
يوم بدأت المشكلة ما شفته، ولا
حتى إنه قاعد يرد على اتصالاتي.
وأنا هنا، يا جماعة، حسيت بالخيانة.
قلت يمكن إنه خايف، يمكن مرزوق
هدد، أنا ما أدري، بس اللي
أنا متأكد منه أني أنا لحالي،
بروحي، ما معاي أحد، وراسي مليان
أسئلة ولا في إجابة واحدة ممكن
إنها تطمئن قلبي. ومرت الأيام وأنا
موقوف عن العمل، ولا أحد تواصل
معاي، لا اتصال، لا استدعاء ولا
شيء. وجاني خبر إنه معينوا واحد
مكاني، يعني بشكل مؤقت، وهذا كان
أول خيط من الحقيقة. يعني إنه
كان القرار مأخوذ من قبل حتى
ما يبدؤون معي بالتحقيق. وأنا هنا
رحت بنفسي للشركة وقابلت موظف أعرفه،
يعني من الإدارة. قلت له: يا
خالد، أبغى منك أمانة، ش السالفة؟
في شيء أنا عارف إن في
شيء تحت الطاولة، ش قاعد يصير؟
هو سكت وقاعد يطالعني بنظرة مليانة
إحراج. وقال: يا فارس، مرزوق من
زمان يخطط هو ما كان يبغاك
من البداية، بس إن الإدارة ضغطت
عليه لأن ملفك كان قوي ومتّفوق.
وهو ما تقبل إنك تكون ناجح
أو يعني أنجح منه قدامهم. قلت
له: طيب، بس وش دخل التقارير؟
قال لي: إن هو خلا سكرتيره
يزور التقارير ويقدمها بصيغة كانها جايه
من قسم ثاني، وقال إنك أنت
متلاعب فيها. طبعاً الإدارة صدقته. قلت
له: طيب وأبو ماجد؟ قال: أبو
ماجد نقلوه لفرع ثاني، نقلوه فجأة
وأعطوه إجازة مفتوحة. أنا هنا يا
جماعة، طاح قلبي. يعني كل شيء
طلع مرتب ومدروس. يعني كل شيء
مرسوم بعناية كان واضح إنه يبغى
يطيحني علشان يمشي اللي يبغاه. رجعت
البيت وأنا حاس إنّي غرقان، لا
صوت، لا نور، ولا أمل. وأمي
كانت تشوفني أضعف يوم عن يوم،
وكل يوم أمي تسألني: ما بتنصفك
هذه الدنيا؟ وكنت أجاوبها بصمت، لأن
حتى الكلام صار ثقيل على لساني.
ومر شهر، شهرين، ما في أي
قرار، لا فصل رسمي ولا رجعة
للعمل. يعني معلق زي اللي مات
وما دفنوه، نفس الشيء. أنا هنا
قررت أسوي شيء، أني أرسل شكوى،
شكوى رسمية للجهات العليا، وقدمت كل
الإثباتات والتواقيع وكل شيء. وبعد ثلاث
أسابيع جاني رد رسمي. تدروا إيش
كان موجود في الرد؟ مكتوب: بعد
المراجعة، تبين إن لا يوجد دليل
كافي يثبت براءتك، وعليه تقرر إنهاء
خدماتك نهائياً. الخبر نزل علي زي
الصاعقة، نهائياً بدون حتى ما يسمعوني.
قمت وكسرت الجوال وانفجرت بكاء قدام
أمي، ولأول مره أمي تشوفني أبكي.
أنا اللي دائماً قوي، أنا اللي
كنت دائماً أقول بكرة يتعدل الوضع.
أول مره أقول يمكن إنه ما
يتعدل أبداً. أمي مسكتني وقالت: يا
ولدي، إذا ضاع حقك عند الناس،
ربي ما يضيع شيء، وخلاها على
الله. بس إني أنا كنت تعبان
مره، تعبان صار عندي خوف من
الناس، من الوظيفة، من الحياة نفسها.
أصحاب كثير بعدوا عني، وبعضهم صار
يتجنبني. ومرت سنة كاملة ما اشتغلت.
كل ما أروح مقابلة يقولون لي:
شب فصلتك من العمل السابق. أحاول
أني أشرح لهم، بس إني أحسهم
يسمعون نص الكلام، ما يبغون يسمعون
الكلام كله. لين جاء يوم كنت
جالس بالحوش، وقاعد أشرب قهوتي والهواء
قاعد يلعب طرف الشماغ. وجاني اتصال:
السلام عليكم، الأستاذ فارس. قلت له:
إيه نعم. قال لي: أنا المحامي
نواف. وصلني ملفك من جهة خاصة،
وقالوا إنك تعرضت لظلم وظيفي وتعرضت
لتشهير بدون أدلة واضحة، وودي أقابلك
لو أمكن. أنا سكت شوي وما
صدقت. قلت له: ش الجهة؟ قال:
واحد شافك في مقابلة قديمة أعجب
بقوتك وأسلوبك، وأعطاني كل ملفك، وقال
لي إن هذا الرجال ما يستاهل
اللي قاعد يصير له. أنا قلت:
طيب، متى نلتقي؟ قال لي: بكرة
الصباح، برسل لك موقعي ولا تتأخر.
قفلت منه وأنا حاس إن الله
ما نساني. بس اللي صار بعد
ما قابلت المحامي كان فعلاً نقطة
تحول، ويمكن هي اللي غيرت حياتي
كلها. صحيت من بدري، لبست. كان
عندي مقابلة رسمية، مع أني مو
متعود من بعد توقيفي أني ألبس
رسمي. بس اليوم يفرق، حسيت إنه
كان يوم رجعتي للحياة. ركبت سيارتي
ومشيت على طريق الملك، والجو غيم،
كان السماء هي كمان تعبت من
الظلم. وصلت مكتب المحامي ودخلت الاستقبال.
قالت لي الموظفة: تفضل أستاذ فارس،
الأستاذ نواف بانتظارك. دخلت ولقيت رجال
بأواخر الأربعين، لابس بدلة أنيقة، وكان
كله هدوء وثقة. قام وسلم علي
بحرارة، وقال: أنا من أسبوع أقرأ
ملفك، وكل ما أتعمد فيه يزيد
قهري. جلست وقلت له: أنا من
أول يوم أحس إني قاعدة أعيش
في ******* بس إني ما قدرت
أثبت شيء. قال: اسمع يا فارس،
أنا ما جبتك عندي هنا عشان
أواسيك، أنا جبتك عشان نكسر اللي
ظلمك. أنا هنا نظرت له بنظرة
مليانة شك وأمل وفضول، وقال لي:
هذا مرزوق مو أول مره يسويها،
عنده سجل مليان من التلاعب والتخريب
الوظيفي، بس إنه ما أحد قدر
يلم الأدلة ضده. كل مره يطلع
منها هو نظيف لأنه شاطر باللف
والدوران ومسنود من ناس كبار. قلت
له: طيب، يعني ش نقدر نسوي؟
قال لي: راح نرفع له قضية
رسمية بتهمه التشهير والتزوير وإساءة استخدام
السلطة الإدارية، وراح نطلب تعويض للأذى
النفسي والخسارة المهنية، ونطالب بإعادة النظر
في فصلك. أنا هنا حسيت لأول
مره إن في أحد واقف معاي،
مو بس إنه يسمع لا، ناوي
يتحرك. قال لي: بس إن راح
نحتاج تعاونك بالكامل، تكتب لنا كل
التفاصيل، ترجع الإيميلات حقتك والرسائل وتذكر
لي المواقف والأسماء، كل شيء، كل
حاجة. قلت له: أنا حافظ كل
شيء، كل لحظة صارت لي كانت
كأنها أمس. رجعت البيت وجلست على
اللاب توب وكتبت 40 صفحة وورد
عن كل اللي صار لي من
يوم المقابلة لين آخر لحظة مشيت
من باب الشركة. وفعلاً جمعت كل
شيء: شروحات المشاريع، صور الشاشات، حتى
التسجيل الصوتي يعني من أحد زملائي
اللي سمع مرزوق يقول فيها: فارس
ذكي بس إنه ما راح يطول.
أنا راح أطلعه عاجلاً أو آجلاً.
وبعدها رحت لنواف وأعطيته كل الأدلة،
وقال لي: أنا بدأت أجهز الملف
الرسمي، أول جلسة راح تكون بعد
شهر إن شاء الله. ومرت الأيام
وأنا بين توتر وأمل. كل يوم
أصحى أطالع في السماء وأقول: يا
رب لا تضيع تعبي مرة ثانية.
وجات الجلسة الأولى، رحت وأنا رجلي
ترجف، بس إن وجهي كان مرفوع.
دخلت المحكمة ولقيت مرزوق واقف. قاعد
يشوفني بنظرة، أنا ما قد شفتها
من قبل. ما هي نظرة خوف،
ولا هي احترام، كأنها نظرة لشخص
انكشفت أوراقه، بس إنه مو قادر
يصدق أنه أحد واجه. وفعلاً دخل
القاضي وبدأت الجلسة. محامي مرزوق كان
يحاول يقلب الطاولة عليه. إيش قال؟
قال: إن المدعي يتهم وكلي باتهامات
باطلة وما عنده دليل مباشر. لكن
نواف، المحامي حقي، قام وقال بكل
هدوء: الدليل عندنا ومقسم على ثلاثة
أجزاء: التلاعب بالتقارير، وإجبار الموظفين على
الصمت، وتهديد غير مباشر لرئيس القسم.
وقدم كل الملفات مع النسخ الاحتياطية
والتسجيلات، أخذ القاضي وسكّت لفترة طويلة
وهو قاعد يقلب في الأوراق ويشوف.
وأنا قاعد أطالع في مرزوق وشفته
لأول مره قاعد يتصبب عرق. الرجال
بدأ يخاف. قال القاضي: الجلسة تاجرت
أسبوعين علشان يتم التحقق من الأدلة.
طبعاً أنا في هذه الأسبوعين كاني
قاعدة أعيد شريط حياتي كله من
أول تعب دراستي، التعب أمي، لنظرة
أبوي اللي دائماً كانت تقول: أهم
شيء تمشي عدل، وأخويا الصغير اللي
كان يسأل: متى تشتغل يا فارس،
أبغى أفتخر فيك قدام أصحابي. ورجعت
جلسة المحكمة وكان التقرير الفني جاهز.
المفاجأة، التقرير أثبت إن في *تزيـ،ـف*
من جهاز سكرتير مرزوق، وإن الملفات
تم تعديلها ببرامج خارجية، وتاريخها غير
مطابق مع النسخ الأصلية اللي عندي.
طبعاً القاضي قال بصوت واضح وعالي:
بعد الاطلاع على الأدلة، المحكمة تشوف
إن المدعي تعرض لفصل تعسفي وظلم
إداري، ويحكم له بتعويض مالي وقدره
250,000 مع إلزام الشركة بإعادة الاعتبار
له وتسجيل ذلك في السجل الوظيفي.
مرزوق صار وجهه كأنه شاف كابوس.
أنا دموعي نزلت وأنا رافع راسي.
حتى أمي، يوم عرفت، ضمتني. كانت
تعرف إن الله بينصرك. بس إني
كنت خايفه على قلبك. لكن رغم
الحكم، ما رجعت نفس فارس اللي
قبل، تغيرت، كبرت، وقلبت صفحة. قررت
إني افتح شركة استشارية خاصة، لأن
كل واحد انظلم لازم يعرف إن
صوته راح يوصل. مرت بعد ما
كسبت القضية، سنة ما كانت لا
سهلة ولا قصيرة، كل يوم فيها
كان معركة، معركة مع المجتمع، مع
الذكريات، ومع نفسي اللي كانت تنهار
وتقوم وتتعلم من جديد. أنا اليوم
صرت أعرف قيمة نفسي وأعرف من
يطالع فيك وقت ضعفك ويكمل، ومين
يوقف. رجعت لحياتي بصمت. الناس تشوفني
ويحسبوني عديت، بس إن الحقيقة إنّي
أنا للحين كل ما أسمع اسم
مرزوق قلبي يضرب. كل ما أشوف
باب شركة أترردد. كل ما يكلمني
مسؤول أرجف داخلي، بس إني تعلمت
أواجه. مو الناس، أواجه نفسي، أواجه
خوفي، وأقول لخوفي: ترى اللي صار
ما كان ذنبك. وصرت أشتغل شغل
بسيط، داخله على قدي، بس راحتي
النفسية في أكبر، أكبر من كل
المكاتب اللي أنا اشتغلت فيها قبل.
وأنا كل يوم أمر من نفس
البناية اللي كانت فيها الشركة، وأقعد
أطالع فيها، ما أكرهها، بس أذكر
منها شيء واحد، الوجع اللي خلاني
أقوى، وأقول لنفسي: يا فارس، مو
مهم إنك خسرت شغلك، أهم شيء
إنك ما خسرت نفسك. بس إني
أنا عرفت حقيقي ورجع لي، وهذا
اللي يكفيني. وصارت تمر الأيام بهدوء.
كل ما أسمع أحد يشتكي من
مدرائه أو إنه من وظيفة تعبانة،
ما أقاطعه ولا أقول له: اصبر
مثل الناس. أقول له: أنا فاهمك.
بس إني ما أشرح له ليه،
لأنه ما يحتاج يعرف. في وجع
داخلي ما ينوصف بالكلام وفي قصص
ما تنقال حتى لأقرب الناس، مو
خوف، ولا ضعف، بس لأنها تحرقك
من جوا. وترى مو كل شيء
ينقال يريحك. وفي مرة كنت جالس
في مجلس عند أحد الأقارب وكانوا
يتكلمون عن الناس اللي تشكي على
مدرائها على الفاضي. واحد قال: يا
أخي بعضهم يدورون مشاكل حتى لو
ما في ظلم، هو يتخيله. طلعت
أنا فيه وابتسمت، بس ما قلت
شيء. ما قلت لو إيش صار
معاي. ما حكيت أي حاجة. صرت
أستوعب إن مو كل أحد يستحق
يسمع قصتك، وصار الصمت عندي أصدق
من ألف سطر دفاع. اللي كنت
أعتقده نهاية حياتي طلع بداية ثانية،
بس من نوع ثاني. بداية تعلمت
فيها أسوأ ما في البشر وأفضل
ما في حياتي، واللي ربي جابه.
كنت أفكر إن الناس كلها راح
ترجع لي بعد ما أنصفوني، بس
اللي رجعوا قلة، وقلة جداً. وفي
ناس، يا جماعة، الحين يتجنبوني، مو
كره، بس لأنهم يحسون بالذنب. طبعاً
أنا ما قادة أستنى منهم شيء،
ولا أبغى شيء منهم، صرت أعيش
يومي، أصحى، أصلي، أشتغل، أساعد أمي،
وأمشي على قدي، كل شيء بسيط،
بس إنه مليان راحة. مرت سنتين،
وفي يوم كنت مار بالسوق، سوق
قديم أعرفه، قابلت واحد كان معاي
زمان يشتغل معاي أول. وقفني وقال
لي: فارس، ما شاء الله، يلا
حيا رجال الحين. أنا أذكر اللي
صار لك أول، والله إنك كنت
مثال القوة، وأقول دايم لو في
عدل كان الكل طلع مثلك. ضحكت
وقلت له: أنا ما كنت قوي،
أنا بس ما لقيت أحد أشكيله،
فاضطرت إنّي أتحمل. سكت شوي وقال:
طيب، ما فكرت ترجع للدوامات؟ للمجال،
الناس تغيرت. قلت له: مو كل
شيء يتغير. لازِم أرجع له. بعض
الأماكن حتى لو تعدلت، تبقى ريحتها
القديمة معلّقة. ودعته ومشيت. واليوم أنا
فارس بدون ألقاب، وبلا تعريفات، مو
معروف، ولا نجم، ولا مشهور، ولا
أحد يدري ش مريت فيه إلا
أنا. بس أنا أعرف إن كل
وجع مر علي ترك علامة بقلبي،
علمني إن الناس تنسى، بس إن
الله ما ينسى، وإن سكوتك مو
دائماً ضعف. أحياناً سكوتك نجاة. أنا
فارس، الشخص اللي انظلم وسكت، ثم
دافع عن نفسه، وخسر، ثم كسب.
وما أحد عرفه ولا سمعه، بس
هو بنفسه عرف قيمته، وهذا شيء
يكفيه. وبس، هذه هي قصتنا.