السلام عليكم أنا مساعد الشراري، وكل
يوم راح أنزل لكم قصة منقولة
من متابعيني، لكن لا تنسون تصلون
على النبي وتتابعون حسابي وتشاركون القصة
مع أصحابكم. ونبدأ قصتنا لليوم؛ تقول
صاحبة القصة: هذه واحدة تحكي وتقول
اليوم جاي أقول لكم سالفة يمكن
غريبة شوي بس ما صارت لي
أنا هي، صارت للجيران وعرفت تفاصيلها
بحكم أن بنت الجيران كانت أقرب
صديقة لي. وقتها كنا مع بعض
طول الوقت. تقريبا بالبداية بس بعرفكم
بنفسي عشان تكون الصورة أوضح أنا
لما عمري الحين 23 سنة والقصة
هذه بدات تقريبا قبل 13 سنة
يعني كنت وقتها بزِر ما كنت
أفهم كثير بس كنت أسمع وأجمع
الكلام من هنا وهنا ولما كبرت
شوي وفهمت الموضوع صرت أسترجع اللي
صار وأربط ببعض. أنا من الناس
اللي تحب تسمع قصص وتعرف آراء
الناس فيها عشان كده حسيت أني
أبي أحكي هالقصه. أنا وقتها كنت
جارة لهم وبيوتنا قريبة، نطلع نلعب
بالحوش ونركض بين البيوت وكان الوضع
كله أمان. بيتهم كان معروف أنه
دائما في حركة، أهلهم طيبين واجتماعيين
وعندهم عامـ'ـلة وأحس أنها كانت
جزء من العائلة. عجوز شوي وكانها
تعرف كل واحد في البيت من
هو رضيع. وقت كنت صغيرة ما
كنت ألاحظ أشياء كثيرة بس لما
أسمع الكبار يتكلمون كنت انتبه وأحس
أنه في شيء غريب يصير. بنت
الجيران صديقتي كانت تحكي أشياء ما
أفهمها وقتها بس كنت أقول طيب
وأكمل اللعب. ومع الأيام، خصوصا لما
كبرت وفهمت بعض الأمور ربطت الأحداث
ببعض وصارت القصة بالنسبة لي أوضح
بكثير. واليوم أنا جالسة أحكيها لكم
مو عشان أسوي فيلم درامي لا،
بس عشان فعلا أبي أعرف لو
أحد غيري كان مكاني كيف بيشوف
الموضوع لأن اللي صار ما كان
شيء عادي أبدا. هذا يا طولين
العمر جيراننا عندهم ولد واحد وبنتين،
واحدة منهم قد بالعمر تقريبا والثانية
أكبر من الولد والولد هذا جاي
بالوسط، عمره اليوم 30 سنة. جيراننا
بصراحة ناس ما ينقال فيهم شيء،
طيبين وكفو، وسمعتهم بين الناس مره
حلوة، الأم حنونة بشكل مو طبيعي
على عيالها، من النوع اللي تحط
بالها على كل تفاصيلهم، والأب من
اللي شفته تحسبه شديد وقاسي، بس
اللي يعرفه زين يدري أنه قلبه
أبيض، بس شخصيته كده من بره.
أنا هنا أحكي القصة زي ما
سمعتها من صديقتي، يعني ما أقدر
أقول إني كنت أشوف كل شيء
بعيني، لكن الكلام اللي وصلني كان
مطابق من كذا شخص. أتذكر مره
كنا جلسات كده بدون هدف نسولف
عن الماضي وأيام أول وفجأة فتحنا
موضوع زمان وكيف كانت حياتنا وإحنا
صغار. ومن يوم وعيت على نفسي
يعني تقريبا يوم صفت بالمراهقة، ما
كنت أشوف ولد الجيران أبدا كأنه
اختفى من حياتنا فجأة وما كنت
حتى أشوفه يمر قدام البيت ولا
بالشارع ولا حتى مع أخواته. كنت
أسمع اسمه إذا أمه نادته من
بعيد بس ما يطلع لنا. ما
كنت عارفة سبب وقتها ولا حتى
فكرت أسأل لأنه بالنسبة لي كان
الموضوع عادي. في ناس ما يختلطون
واجد، لكن بعد ما بدينا نحكي
عن الأيام القديمة صديقتي بدأت تفتح
لي أبواب ما كنت متخيلة أنها
موجودة. يعني هو ولدهم الوحيد والكل
كان يحس بأنه مدلل عندهم، بس
يوم صار عمره 20 تقريبا فجأة
اختفى، مو اختفى كذا ما ندري
وينه، لا، هو سافر، بس من
يوم سافر ما عاد رجع، ولا
أحد صار يجيب طاري قدامنا، لا
أمه ولا أبوه ولا حتى أخواته.
وأنا عن نفسي ما كنت أسأل
لأن الموضوع ما كان يهمني وقتها
كثير، لكن كنت أحس كل ما
صديقتي تبدأ تهرج عن الماضي أو
عن العائلة يطلع في صوتها شيء
زي الغصة، أنها تحاول تكمل كلامها
وهي حابسة شعور جواتها. وصراحة ما
قد صرت فضولية وسألتها إيش في
أو إيش صار، لأن أحس بعض
الأمور ما تصلح نسأل كذا على
الطاير. بس في مره كنا جالسين
في الحوش العصر، الجو هادي وإحنا
نشرب شاي وكذا، فجأة كده جاني
الفضول، قلت لها يعني فين راح
أخوكي وليه فجأة سافر أو اختفى.
سكتت وطالعت في الأرض وكانها تفكر
إذا ترد أو طولت شوي وهي
ما تكلمت. حتى أنا حسيت أني
استاجلت بالسؤال. بعدين رفعت راسها وقالت
شوفي، والله ما أدري كيف أقول
لك، بس أهلي ما يحبون يجيبون
سيرته أبدا، وهذا الموضوع حساس مره
بالنسبة لهم. نبرتها كانت جادة لدرجة
حسيت أني لو زودت كلمة ممكن
تزعل قوي، تسكر الموضوع بوجهي. فقررت
أرجع أسولف عن أي شيء ثاني،
وكان السؤال ما أن قال، بس
بعدين قالت أنا بقول لك، لأن
لو ما طلعت اللي في قلبي
لأحد أحس أني راح أختنق، وأنت
أقرب واحدة لي. وجلست كده ثواني
ساكته وكانها تجمع أفكارها وبعدين بدأت
تحكي. قالت: شوفي، كان عندنا عامـ'ـلة
كبيرة بالعمر من زمان مره، حتى
قبل ما أنولد أنا. جابوها أهلي،
وهي حرمة كبيرة بالسن وطيبة، والكل
تعود عليها وصارت كانها من العائلة.
حتى أختي الكبيرة وأخويا ربتهم هي
من يوم كانوا صغار، بعدين جيت
أنا وكبرت بينهم. عادي كنت أحبها،
بس أختي وأخويا كانوا يحبونها بطريقة
غير، كانت تعني لهم كثير، وكانت
كأنها أم ثانية. مرت الأيام وكل
يوم أشوفهم يتعلقون فيها أكثر خصوصا
أخوي، ما كان يقدر ينام إلا
إذا هي جنبه ولا يأكل إلا
إذا هي اللي تحط له. وأمي
طبعا ارتاحت للوضع لأنها ما كانت
تخاف عليهم إذا طلعت مشوار أو
راحت عند أهلها، تقول إذا هم
مع فلانة أنا ما أشيلهم. هنا
صديقتي ضحكت وقالت مع إنه أنا
أشوفها المفروض أمي تخاف، لأنك ما
تدرين الواحد ما يعطي الأمانة الكاملة
لأي أحد حتى لو كان طيب.
وبعدين كملت، وقالت المهم أمي ارتاحت
لها وصارت تخليهم معها بالساعات، وأحيانا
تروح تتمشى وتتركهم في البيت معها.
وكل ما مرت السنين صار وجودها
شيء أساسي عندنا لدرجة أنه ما
نقدر نتخيل حياتنا بدونها. وعدت الأيام
وصار عمر أخوي 17 سنة يعني
خلاص صار رجال، بس الغريب أنه
لازال متعلق فيها بنفس الطريقة، وحتى
يمكن أكثر، والتعلق كان مو طبيعي
أبدا، كأنه ما يقدر يعيش أو
يتحرك بدونها. هنا أبويا بدأ يحس
بالخطر وصار الموضوع بالنسبة له لازم
ينحل، لأن اللي يشوفه يعرف أنه
مو مجرد محبة أو احترام، هذا
تعلق مرضي. وأبويا وقتها قرر يتدخل،
فصار بعد ما يخلص دوامه يمر
ياخذ أخوي معه للشغل حتى لو
ما له شغل هناك بس عشان
ما يخليه في البيت معاه لحاله.
وكان يحاول قد ما يقدر أنه
ما يتركه في البيت إلا إذا
كلنا موجودين أو إذا كان آخر
الليل. بس اللي زاد استغراب، زي
ما تقول صديقتي، أنه أخوي بالعكس
كان يحاول ما يطلع من البيت
إلا للضرورة، وحتى لو طلع ما
يطول. تخيلوا، يعني في سنه هذا
أغلب الشباب يطلعون مع أصحابهم يتمشون
يدورون أي شيء يسوونه، لكن هو
لا كل همه أنه يكون قريب
منها. أنا وقتها وأنا أسمع القصة
ما قدرت أفهم ش في، ولا
صديقتي كانت تقدر تفهم، تقول لي
الصراحة إيش في ما أدري، بس
الأكيد أن الوضع صار أوفر وزايد
عن حده. نزلت أنه حتى أمي
وأختي الكبيرة بدأوا يلاحظون، والبيت كله
صار حاس بالجو الغريب اللي بينهم.
هنا أمي وأبوي جلسوا مع بعض
وقالوا: لا والله الوضع كده ما
ينفع. واتفقوا أنهم لازم يرجعون العامـ'ـلة
لهذه بلدها حفاظا على ولدهم أولاً،
وثانيا على سمعة العيلة لأنه التعلق
اللي شايفينه مو سليم. ما كانوا
يبغون يكبرون الموضوع أو يخلونه فضيـ'ـحة،
فقرروا ينهونه من بدري. وفعلا ما
أخذ الموضوع أسبوع إلا وهم حاجزين
له التذكرة وكل شيء مرتب. طبعا
أخوي ما كان يدري عن الخطة
كانوا حابين يسوونها فجأة قبل ما
يلحق يسوي أي شيء. لكن يوم
درا أنها مسافرة هنا قامت القيامة،
دخل في حالة انهيار ما قد
شافوها عليه، صار يصـ'ـارخ: ليش سويتي
كده يا أمي، مو حرام عليكم؟
هي الوحيدة اللي تفهمني وتونسني. صديقتي
وهي تحكي تقول قسم بالله كان
يهدد بكلام يصدم، كلام ما يطلع
من ولد في عمره عن عامـ'ـلة
كبيرة بالسن. أنا وقتها وأنا أسمع
حسيت جسمي يقشعر، مو من القصة
نفسها بس من كمية الغرابة اللي
فيها. إيش يعني تفهمك وتونسني؟ وأيش
اللي كان بينكم بالضبط؟ وكيف الأم
كل هالسنين ما لاحظت أن الموضوع
قاعد يطلع عن السيطرة؟ فعليا كان
شيء يخوف، لأنك تبدأ تحط احتمالات
ما تسر وتحس أن الموضوع كان
ممكن ينفجر بأي لحظة لو ما
تدخل. وما أطول عليكم وخلوني أكمل.
صديقتي قالت: والله يا لما ما
أكذب علي، أخوي جلس ثلاث سنوات
وهو تعبان حزين وما في باله
غيرها. أمي بدأت تشك أنه العامـ'ـلة
سوت له شيء، لأن مو معقول
ثلاث سنين ولسه متعلق فيها بهذه
الطريقة. تقول تخيل أنه من يوم
كان عمره 17 لين صار 20
سنة وهو يجمع فلوس وحارم نفسه
من أشياء كثيرة الشباب بعمره يسوونها
ويشترونها، لا سفر ولا تمشيات ولا
حتى لبس جديد إلا على قد
الحاجة بس عشان المبلغ يكبر. والمهم
في يوم من الأيام صحينا الصبح
وما لقيناه، اختفى معاه شنطة صغيرة
وأغراضه الخاصة. وعرفنا بعدها أنه سافر
ورا العامـ'ـلة أبويا على طول
لحقه وما كان يبي يخلي الموضوع
يكبر، بس لما لقاه هناك ما
رضي يرجع. وأقوى صدمة كانت لما
اكتشف أنه تزوج العجوز. أنا وقتها
وأنا أسمع حسيت إني دخلت فيلم
ما له أي منطق، لأن حتى
صديقتي وهي تحكي كانت حاسة بالقهر
والغرابة بنفس الوقت. تقول يعني تخيلي
كل اللي سويناه ما نفع، أبويا
رجع لحاله وأخوي قرر يعيش حياته
معاه هناك كأنه شيء طبيعي. والله
يا جماعة تقول ما أحكي لك
عن الصدمة اللي عشناها، ولا عن
السمعة اللي انخربت علينا، ولا عن
خيبة أمل أمي وأبوي في سنين
وهم يحاولون يرجعونه لعقله بس رافض
واقف على كلمة واحدة أنه يحبها،
أنه ما في أحد في الدنيا
يفهمه مثلها. وصار ما يشوف ولا
يسمع غيرها، وكل اهتمامه منصب عليها.
وأي قرار في حياته لازم يمر
عليها أول، حتى لو شيء بسيط.
صارت متحكمة فيه بشكل كامل ولا
كان له شخصية مستقلة، وأمي ما
عاد بيدها إلا البكاء والدعاء لعله
عسى ربي يهديه. وأبوي بالرغم من
كل محاولاته في البداية استسلم في
الأخير لأنه فهم من الموضوع أكبر
من مجرد عناد ولد أو مراهقة
متأخرة. هو ترك بلده وأهله وناسه
وراح يعيش مع وحدة أكبر منه
بسنين طويلة. وإذا شدينا الحسبة شوي
يمكن تكون في عمر أمه أو
حتى أكبر. أمي تقول دايم: حسبي
الله عليها، إن كانت مسوية له
عمل أو شيء، لأن العقل ما
يقبل اللي صار أبدا. واليوم أخوي
عمره 30 سنة ومتزوج عجوز قريـ'ـحة
ويعشـ'ـقها بشكل كبير وما عنده عيال،
وفعليا حياته كلها صارت تحت أمرها
ولا عنده أي نية يرجع لنا
أو يغير وضعه. وأهلي ما عندهم
إلا الدعاء ويدعون ربنا يهديه ويرجع
له عقله ويفهم هو وش سوى
ويمكن يرجع لبلده يوم من الأيام.
وهذه هي قصة أخوي اللي اختفى
فجأة، عشان كده أهلي ما يحبون
يتكلمون عنه أبدا. يحسون أن الموضوع
حساس وما في فايدة من النقاش،
وبالرغم من أنه أغلب الناس سمعوا
بالسالفة إلا أنه ما حد يتكلم
فيه أو يجيب طاري، والموضوع صار
كأن مغلق، وإحنا بصراحة ما لنا
حول ولا قوة، وكل اللي نقدر
نسويه هو الصمت والدعاء، وإن شاء
الله الأيام تحمل له شيء أفضل.
والله يا جماعة لما خلصت صديقتي
من السالفة حسيت بالصدمة وشفت كيف
كانت متأثرة وهي تحكي، حتى إني
ندمت شوي. إني سألتها، يعني حسيت
كاني فتحت جروح قديمة ما لها
داعي تنفتح، وكل كلمة كانت تطلع
من قلبها وكانت مليئة بندم. بصراحة
حسيت أن الموضوع مو سهل ولا
أحد ممكن يفهمه إلا اللي عاشوا
عن قرب. صديقتي كانت صريحة وقالت
لو ما قلت لك الحقيقة كنت
راح أموت من داخل، ما قدرت
أحتفظ فيها. وأنا صرت أفكر في
أهلها وأخوها وكيف صار كل هالشيء
لهم، وكيف كل تصرف صغير أو
شعور ممكن يغير مسار حياة شخص
كامل. والله يهديهم ويرجع لهم ولدهم
بخير. هذا كل اللي أقدر أقوله
من قلبي. ممكن بعضكم يقول: طيب
إذا الأهل ما يبغون أحد يعرف
القصة ليش قلتيها لنا. بصراحة أنا
سألت صديقتي إذا ممكن أحكيها بدون
ذكر أسماء، ووافقت. وكان قلبي مثقل
وأني أسمعها، لأني عارفة أن الموضوع
حساس جدا. أما عن رأيي بالقصه،
والله أحس إنه العامـ'ـلة سوت
له عمل بطريقة أو بأخرى، أو
على الأقل اللي صار مو طبيعي
أبدا. تخيلوا هو كان طفل لما
جت العاملة وهي رتبته واهتمت فيه،
وبعدين لما صار عمره 20 سنة
قرر يروح لبلدها عشان يتزوجها. شيء
يحزن، لأن الطفل اللي كبر وسط
عائلته المفروض يعيش حياته بينهم ويكون
له مستقبل طبيعي مع أهله، بس
بدل هذا كل حياته تغيرت بسبب
تعلقه الزائد فيها. لذلك أنا أقول
لأي وحدة عندها أولاد، مهما كانت
العامـ'ـلة أو الحاضنة طيبة وحنونة، لا
تخلوا عيالكم يتعلقون فيها زيادة عن
اللزوم، لأن زي ما شفتوا في
هالقصة العيلة كلها تضررت وخسرت، الأم
والأب خسروا ولدهم اللي ربوه، والأخ
خسر البيت وأخواته وأمه وحتى بلده،
وكل حياته تغيرت. وما أقدر أقول
إلا الله يكون في عونهم، وربنا
يهديه ويرجع لهم ولدهم إذا كان
ممكن. والقصه تبين لنا قوة تأثير
العلاقات على الإنسان، خصوصا لما يصير
تعلق غير طبيعي في سن صغير.
وأنتم اللي سمعتوا القصة، إيش رأيكم
تحسون أنه ممكن يصير شيء مشابه
مع أي عائلة ثانية؟ والله الموضوع
فعلا يدعو للتفكير، وكلنا لازم نكون
حذرين في هالأشياء. والى هنا تكون
انتهت قصتنا.