السلام عليكم، أنا مساعد الشراري، وكل
يوم راح أنزل لكم قصة منقولة
من متابعيني، لكن لا تنسون تصلون
على النبي وتتابعون حسابي وتشاركون القصة
مع أصحابكم. ونبدأ قصتنا لليوم؛ يقول
صاحب القصة: "اسمي سعود وعايش حياتي
في بيت أهلي مع أبوي وأمي
وأخواتي في واحدة من حالات الرياض
القديمة شوي، اللي الناس فيها
يعرفون بعض بالوجوه. بيتنا زي أغلب
البيوت السعودية اللي تقدروا تقولوا عنها
محافظة بوعي يعني. أبوي وأمي ناس
متمسكين بالدين وبالعادات والتقاليد بس ما
هو من النوع المتشدد اللي يمنع
الضحك أو يذكر الأبواب بالجنزير ويمنع
الطلعة والنزلة بالمرّة. لا، أبد لكن
في خطوط حمراء الكل يعرفها ولا
يتعداها. ومن يوم ما طلعت على
الدنيا وأنا مبرمج راسي على نظام
معين إنه البنت في بيتنا وفي
عائلتنا لها هيبة وحشمة وما تطلع
من عتبة الباب لحالها أبد، يا
تروح لمدرستها أو جامعتها وترجع مع
السواق أو الباص. وإذا بغوا السوق
أو زيارة أحد من الأقارب لازم
أنا أو أبوي نكون معاهم. يعني
باختصار كبرت وأنا مقتنع تمام الاقتناع
إنه الحرمة ما تطلع من البيت
إلا ومعاها رجال يحميها أو يوصلها
ويكون مسؤول عنها. وهذه كانت نظرتي
للحياة وللمجتمع اللي حولي وكنت أشوف
إنه هذا هو قمة الستر والصح
وأي نموذج ثاني أشوفه بره كنت
أعتبره غلط أو فيه إنّ. وأحيانا
كنت أحكم على تربية الناس من
هالنقطة. بس المهم إحنا ساكنين في
حارة هادئة وجيراننا اللي جدارنا بجدارهم
عائلة مكونة من أب وأم وبنات
بس ما عندهم عيال أبدًا يشدون
الظهر فيهم أو يراقبون الطلعة والدخول
من منظورنا إحنا. علاقتنا فيهم كانت
رسمية بالحيل يعني أبوي يسلم على
أبوهم عند المسجد أو إذا تقابلوا
عند الباب وكلامنا ما يتعدى كيف
الحال وعساكم بخير وشلون الأهل. لا،
الحريم عندنا يعرفون حريمهم ولا البنات
بينهم صداقة أو تواصل. بيت مسكر
على أهلي وخلاص وكل واحد لاهي
شؤونه وحياته الخاصة. وهالشيء كان يخلي
غموضهم في عيني يكبر مع الوقت
خصوصا إني كنت مراقب جيد لكل
شارده ووارده في الشارع. والمهم والشيء
اللي كان يلفت نظري دائماً ويثير
تساؤلات كثيرة في بالي تجاه بيت
جيراننا هذولي هي واحدة من بناتهم
كانت دائماً تلفت الانتباه بطلعاتها. كنت
بحكم جيتي وروحتي من البيت سواء
راجع من استراحة أو طالع أجيب
غرض. أشوفها تطلع دايم من بعد
صلاة العشاء تركب سيارتها وتمشي. واللي
كان يستفز تفكيري وقتها ويخليني أشك
إنها ما ترجع إلا في أوقات
متأخرة جداً، أحياناً نص الليل وأحياناً
كثير كنت أشوف سيارتها داخل الحارة
مع وقت أذان الفجر والناس رايحة
للمسجد. عاد هنا بدأت الشياطين تلعب
براسي وأقول في نفسي: بنت وفي
هالعمر وما عندها إخوان وأبوها شايب
كبير وضعيف. كيف تطلع كذا وترجع
بهالأوقات المتأخرة لحالها؟ وبدل ما أقول
في نفسي يمكن عندها ظرف طارئ
أو يمكن عندها شغل معين أو
حتى دراسة. رحت لأسوأ الاحتمالات اللي
ممكن تخطر على بال واحد بتفكيري
وقتها. والله ما أدري وش اللي
جاني، يمكن كان فراغ أو لقافة
زايدة بس بدأت أتكلم وبدأت السالفة
بكلمة من هنا وكلمة من هناك
عند شباب الحارة في الجلسات وعند
المعارف والأصدقاء. كنت أقول بلهجة الواثق:
يا جماعة، بيت جيران إن هذول
بنتهم فلتانة تطلع بأنصاف الليالي ولا
حد يدري وين تروح ولا وين
تسهر والبيت سايب وما وراه رجال.
وكنت أحلل الموضوع من كيسي وأزيد
عليه بهارات وأقول إن غياب الرقابة
والرجال في بيتهم هو اللي خلاها
تتمادى وتطلع وتدخل على كيفها بدون
حسيب ولا رقيب. وكنت أحس إني
قاعد أنبه هالناس من باب الغيرة
على الحارة والستر وأنا في الحقيقة
كنت قاعد أهدم في جدار بيت
ما أشوف منهم إلا كل خير.
المهم الموضوع للأسف ما وقف عند
مجرد ملاحظة أو كلمة عابرة قلتها
في مجلس. أنا صرت مع الوقت
أمشي وآسولف في شرف البنت وأخلاقها
وكأني ماسك عليها دليل. كنت واثق
من كلامي لدرجة تخوف وكنت أقول:
هذا أكيد وراها بلاوي ومصايب ولا
في بنت ناس متربية تطلع العشاء
وترجع الصباح لحالها. وسيارتها ما تبرد
من المشاوير. ومرت السنين على هالحال
والناس في الحارة وخارجها بدأت تتناقل
الكلام اللي أنا قلته وتزيده من
عندها. وكان كلامي صار حقيقة مصدقة
وموثقة عند الكل. خواتها اللي أصغر
منها واللي أكبر منها كلهم ربي
كتب لهم متزوجين وتستروا في بيوتهم.
إلا هي بقت في بيت أبوها،
كانت كل ما تقدم لها واحد
من برا الحارة أو من المعارف
يوصل لمرحلة معينة من السؤال والاستفسار
وبعدين ينسحب ويختفي فجأة بدون ما
يبدي أي سبب. أنا كنت أسمع
الأخبار هذه وأشوف الخطاب يروحون ويجون
وأقول في نفسي: بملِّ الفم, أحسن
ربي فك الرجال منها. يستاهل إنه
يعرف حقها قبل ما يتورط في
وحدة سمعتها في الحارة مهزوزة. كنت
أحس بنوع من الانتصار الوهمي وإني
سويت خير لما نبهت الناس عنها
بشكل غير مباشر. وما كنت أدري
إني كنت أقطع نصيب إنسانة وأحرمها
من أبسط حقوقها في الحياة وهي
تكوين أسرة. وكل هذا بسبب تخيلاتي
في راسي بنيت عليها أحكام قاسية
وظالمة. ولا فكرت لحظة واحدة إني
أتاكد من حقيقة اللي قاعد يصير
أو أسأل أبوها بشكل محترم لو
كان الموضوع فعلاً يهمني. وفي يوم
من الأيام انقلبت حياتي فوق أحد
وتغيرت كل موازيني. صار لي واحد
من أعز أخوياي حادث شنيع في
وقت متأخر من الليل ودقوا علي
وقالوا لي إنه في حالة خطيرة.
طلعت أركض من البيت زي المجنون
وتوجهت للمستشفى لقسم الطوارئ اللي كان
يغلي من الزحمة والحالات الصعبة. كنت
واقف في السيب وضايق صدري على
خويه والتوتر ذابحني والناس حولنا يركضون
والأصوات عالية وفجأة، وسط هذا كله،
شفتها شفت بنت جيراننا ذيك اللي
قضيت سنين وأنا أتكلم في عرضها.
كانت لابسة اللبس الطبي المخصص للعمليات
والطوارئ وعليها اللابوت الأبيض والكمامة، كانت
مغطيه وجهها بس عيونها ونظراتها عرفتها
زين ما تخفى علي. كانت تتحرك
بسرعة وثقة توزع مهام على الممرضين
وتفحص مريض وتوجه لنقل حالة حرجة
لغرفة العمليات بكل قوة وهدوء. والله
وقفت مكاني مذهول، كان الأرض انشقت
وبلعتني. وسألت واحد من الممرضين اللي
كانوا واقفين جنبي: يا أخوي، هذه
الدكتورة مين هي؟ رد علي وهو
مستعجل وقال: هذه الدكتورة فلانة، وهذه
من أكفأ وأفضل دكاترة الطوارئ عندنا
في المستشفى. ودائم هي اللي تمسك
شفتات الليلة المتعبة لأن ضغط الشغل
يكون كبير وهي قدها. وفي ذيك
اللحظة حسيت كأن واحد أعطاني *******
قوي على وجهي، ضحاني من حلم
طويل وبشع. الدنيا دارت فيني وتذكرت
كل كلمة قلتها وكل مجلس جلست
فيه ونهشت في سمعتها والشكل اللي
كنت أرسمه لها في خيالي كان
كأنه كوابيس تطاردني. طلعت من المستشفى
الفجر وأنا ماني طايق نفسي ولا
طايق الهواء اللي أتنفسه. عرفت الحين
وبكل وضوح إن الطلعات اللي كنت
أشوفها والرجعات اللي في آخر الليل
ما كانت صيـ'ـاعة ولا ضياع ولا
طلعات مشبوهة زي ما كنت أصور
للناس. كانت تروح وتيجي عشان تنقذ
أرواح الناس وتمارس أنبل مهنة هنا
في الوجود. البنت كانت دكتورة ناجحة
ومكافحة، تترك راحتها ونومها عشان تكرف
في قسم الطوارئ وتواجه الموت والتعب
وجهاً لوجه كل ليلة. وأنا بكل
بساطة وحقـ'ـارة رحت وشوهت سمعتها في
الحارة وبين الناس وكنت السبب الرئيسي
في إن الخطاب يهربون منها وكانها
وباء. ذكرت كلامي عنها وكيف كنت
أقول فلتانة وما وراها رجال يضبطونها.
وهي في الحقيقة كانت نعمة، البنت
اللي شايلة مسؤولية نفسها ومساعدة أهلها
ورافعة راس أبوها الشايب بشغلها وعملها.
جلست في سيارتي عند باب البيت
الفجر وأنا أشوف سيارتها داخله كالعاده.
وبدل ما كنت أشوفها بعين الشك،
صرت أشوفها بعين الاحترام والتقدير والخجل
الشديد. فكرت في كل شخص صدقني
وفكرت في السنين اللي راحت من
عمرها وهي تُظلم بسببي. الندم بدأ
ياكل في قلبي أكل. وصرت ما
أقدر أحط راسي على المخدة وأنام
من كثر ما شريت ذكريات كلام
الظالم يمر قدام عيوني. وصرت أحس
إني أصغر إنسان على وجه الأرض
ومن كثر الوجع اللي في داخلي
حاولت أسوي أي شيء عشان أعوض
غلط اللي سويته في حقها. بدأت
أروح للمجالس اللي كنت أجلس فيها
وأحاول أفتح موضوع جيراننا بطريقة غير
مباشرة. وأقول: يا جماعة، تذكرون كلامي
عن بنت جيراننا، والله إني اكتشفت
إني غلطان وظالمها. البنت طلعت دكتورة
الطوارئ ومجتهدة وطبيعة شغلها هي اللي
تفرض عليها الأوقات. والبنت محترمة وأصيلة
ولا فيها إلا العافية. بس الصدمة
الحقيقية كانت في رد فعل الناس
وتفاعلهم مع كلامي الجديد. كانوا يطالعون
فيني بنظرات غريبة مليانة شك وتساؤل.
وبعضهم كان يطنشني ويبدأ يسولف في
موضوع ثاني وبعضهم أحس في عيونهم
نظرة اتهام وكأنهم يقولون: أكيد البنت
صار بينك وبينها شيء أو تبي
ترجع لها الحين بعد ما خربت
سمعتها وانتهى الموضوع. واكتشفت متأخر إنه
الكلام السيء والسمعة الشينة تمشي بين
الناس زي النار في الهشيم. الكل
يبي يسمعها وينشرها بس الدفاع عن
الناس وتصحيح الغلط والاعتذار ما حد
يهتم له ولا أحد يبي يصدق
بسهولة. وحسيت إن كل محاولاتي هذه
ما قدمت ولا أخرّت وإن السمعة
اللي انكسرت بسببي صار صعب جداً
تترمم بكلمتين اعتذار وإن الناس خلاص
طبعت في ذاكرتها الصورة الوسـ'ـخة اللي
أنا رسمتها بلساني وصار كلامي الحين
ما له أي وزن ولا قيمة
عندهم. والمهم وصلت لمرحلة من تانيب
الضمير لدرجة إني صرت ماني قادر
أعيش حياتي طبيعي. وقلت: مالي إلا
إن أسوي خطوة فعلية وجريئة عشان
أكفل عن ذنبي وأبرد ناري. وقررت
إني أتقدم لها وأخطبها وقلت لنفسي:
هذه هي الطريقة الوحيدة اللي ممكن
أستر فيها على الموضوع وأعوضها عن
كل السنين اللي راحت من عمرها
بسببي. ولعله عسى ارتاح من هذا
الهم اللي كاتم على نفسي. رحت
وكلمت أبوي وطبعا أبوي ما يعرف
البلاوي اللي أنا سويتها. وفرح بالفكرة
وقال: هذول جيراننا ونعرفهم والبيت طيب.
رحنا خطبناها من أبوها وجلسنا معاه
في المجلس. وكنت في ذيك اللحظة
أتأمل من كل قلبي إنهم يوافقون
عشان أقدر أثبت للناس كلهم إنها
بنت كويسة ومعدنها طيب، وقدرت إني
أختارها تكون زوجة لي وأم العيالي.
لكن الرد ما تأخر. وجاء زي
الصاعقة اللي هددت حيلي. ثاني يوم
اتصل أبوها على أبوي وقال له:
يا أبو سعود، البنت استخارت والظاهر
ما لكم نصيب عندنا. والله يوفق
الولد مع غيرنا ويرزق بنتنا بالنصيب.
طيب، الطيب ما ذكروا أي أسباب
ولا عاتبوا ولا قالوا لنا أي
كلمة تجرح، بس الرفض كان واضح
وصريح ونهائي. أنا وقفت مكاني مذهول
وبدأت الأسئلة تنهش راسي: هل عرفوا
إني أنا اللي كنت أتكلم عنها؟
هل وصل لهم كلامي القديم وعشان
كده رفضوني؟ ولا الرفض كان فعلاً
نصيب؟ المهم حسيت بكثرة خاطر وضيق
ما قد مر علي في حياتي.
ومن بعد هذا الرفض بدأت حياتي
تتغير للأسوأ بشكل مخيف. وكان الدنيا
كلها قلبت ضدي. والله يا جماعة
ما أكذب عليكم إن كل باب
كنت أدق وكان ينصك في وجهي.
وبدأت المشاكل تطلع لي في وظيفتي
من تحت الأرض. خلافات مع المدراء
وزملائي على أشياء تافهة لين انتهى
الموضوع بقرار فصلي والاستغناء عني. ولقيت
نفسي فجأة عاطل وبلا دخل. والفلوس
اللي كنت مجمعها وتعبان فيها طارت
في مصاريف وديون ما أدري كيف
طلعت لي. وصفت مديون ومهموم واللقمة
ما أتهنى فيها. وحتى على مستوى
صحتي بدأت تطلع لي أعراض غريبة:
خفقان في القلب، وضيق تنفس، وتعب
في جسمي ما له أي سبب
طبي. رحت لاكبر المستشفيات وسويت كل
الفحوصات والتحاليل الممكنة. وكل الدكاترة يقولون
نفس الكلمة: يا سعود، أنت سليم
وما فيك إلا العافية. يمكن ضغوط
نفسية. بس أنا بيني وبين نفسي
كنت أعرف الحقيقة. كنت أعرف إنه
هذا الوجع مو مرض عضوي، هذا
وجع الظلم. صرت أحس إن كل
تفاصيل حياتي المتعثرة هي حوبة هذه
البنت الدكتورة وإن ربي قاعد يوريني
نتيجة لساني اللي نهش في أعراض
الناس. ربي يمهل ولا يهمل، هذه
الجملة صارت هي النشيد اليومي اللي
يتردد في رأسي مع كل مشكلة
جديدة تواجهني. وصرت أحس بضعف وعجز
ما قد حسيته في حياتي كلها.
والحين أنا جالس أقول لكم هالكلام
وأنا بقمة ضياع وانكساري والندم ياكل
في روحي أكل. وتانيب الضمير ما
يخليني أذوق طعم الراحة لا ليل
ولا نهار. أنا اعترفت لنفسي إني
ظلمت إنسانة بريئة. أكبر ظلم ممكن
يتصوروا عقل. وقفت نصيبها لسنوات وشوهت
صورتها قدام المجتمع كله بسبب جهلي
وسوء ظني وتفكيري المحدود. والنتيجة قدامكم،
أنا الحين قاعد أحصد اللي زرعته
بيدي. وظيفتي راحت، فلوسي طارت، وصحتي
بتدهور. وهموم الدنيا كلها مجتمعة فوق
راسي وماني عارف إيش المفروض أسوي
الحين عشان أرتاح أو عشان أصالح
ولا جزء بسيط من اللي خربته.
هل أجمع شجاعتي وأروح لأبوها أو
لها وأعترف بكل اللي سويته وأطلب
منهم السماح وأنا عارف إنه هالشيء
ممكن يجرحهم أكثر؟ ولا أسكت وأكمل
حياتي بهذا الألم وانتظر عقاب ربي
اللي ما أدري ش نهايته؟ أخاف
أموت حقها في رقبتي وأخاف أواجههم
وأنفضح أكثر. والله إن ندمان ندم
يهد جبال. وتعبت من هالحياة اللي
كلها صارت سواد في سواد. وش
رايكم يا جماعة؟ وش المخرج من
هالمصيبة اللي حطيت نفسي فيها؟ هل
في طريقة فعلية أقدر أصحح فيها
غلطتي وأرجع كرامة هالبنت قدام الناس؟
ولا خلاص القطار فاتني وكل اللي
أقدر أسويه هو إني أتحمل نتيجة
فعلي؟ ولهنا وتكون قصتنا انتهت. لا
تنسوا تصلوا على النبي عليه الصلاة
والسلام وأشوفكم على خير بقصة جديدة.
في أمان الله."