تقول صاحبة القصة: أنا هالة، أربعينية
متزوجة وأم لخمسة أولاد. أنا تزوجت
بعمر 18 سنة. زواجي كان زواجًا
تقليديًا، انخطبت وعقدت وتزوجت خلال شهر
واحد. لآن زوجي كان يشتغل بدولة
برّا، كان خاطب بنت بنفس دولتنا
وعلى أساس أنه جاي يتزوجها، والأمور
خربت بآخر لحظة بينهم واضطر يخطبني
ويعقد ويتمم زواجه مني خلال شهر
واحد. بعدها بقي معايا شهر إضافي
ورجع للدولة اللي يشتغل فيها. كانت
حياتي معاه غربة هو بدولة وأنا
بدولة. يجمعني معاه شهر واحد من
كل سنة. جبت عيالي كلهم وهو
بعيد عنّا وصرت أم، مثل ما
قلت لكم، لخمس أولاد، بنتين وثلاثة
أولاد صاروا بالجامعة. واللي خريج من
الجامعة أنا اللي تحملت مسؤوليتهم، ربيتهم
لحالي، قمت فيه اللي يمرض واللي
يجوع واللي عنده اختبارات مذاكرتهم. وكل
أمورهم أنا تحملتها على حالي، وأكيد
ما تتخيلون قد إيش المسؤولية كانت
صعبة علي خمسه أولاد وكل شيء
أنا المسؤولة عنهم. بداية حياتي معه
كنت أحاول أقنعه أني أقعد مع
أهلي في بيت أهلي أو أستأجر
قريب منهم عشان يساعدوني ويكونوا معاي،
لكنه كان رافض الفكرة نهائيًا. وبعد
إصرار مني جاب أهله وسكنهم معاي
بنفس العمارة اللي هو كان شاريها.
تحملت أهله، وثقلهم معي بالمواقف اللي
كانوا يسوونها فيني. أمه كانت مره
شرانية الله يرحمها، كانت تتعمد تقهرني
وتتعمد تنكد علي، ودائمًا تشتكيني لعنده
رغم أني ما أسوي لها إلا
كل طيب. لكن بالآخر الله أخذ
أمانته وارتحت منها. أخواته اللي تزوجت،
واللي كانت معانا وراحت بيت أهل
زوجها، واللي سافرت برّا، حتى إخوانه
تزوجوا كلهم. بقي واحد منهم وتزوج
بنفس عمارتنا. والزيارات اللي كان يجينا
فيها، تتوقعون أنه يطلعني أو يسفرني
أو ياخذني أي مكان؟ لا أبدًا
ما يفكر بالشيء هذا. أطفالي ينحرمون
من الطلعات ويتمنون وجود أبوهم يطلعون
معاه، لكن ما يفكر بالشيء هذا
أبدًا. يجي عندنا تعبان ومحتاج يريح،
ما يبي وجع راس، ما يبي
طلبات وكمان يعزم أخواته وإخوانه. وأظل
بالأسابيع أطبخ وأجهز لهم الأكل وأخدم
وكانه الفترة هذه محكوم علي أني
ما أقعد معاه ولا أستانس معه.
يا دوب أشوفه باليوم ساعة أو
ساعتين أو بالليل إذا جينا ننام.
ومعظم وقته يقضي معاهم بالشقة تحت.
فكنت مره أتحس بأن ما أحسه
قريب مني. تناسيت احتياجاتي وتناسيت كل
شيء مقابل أني أربي عياله. أقوم
فيهم وفي أهله كمان. مرت الأيام
والسنين وإحنا على نفس الحال. لحد
ما جاء وقرر أنه خلاص ينهي
غربته ويجي ويستقر عندنا. بالبداية كنت
أحسه غريب، كانت تصرفاته وأطباعه غريبة.
كنت أحاول أتعأقلم معه، أحاول أعدي
وأحاول أتحمل، لكن وصلت معاه لطريق
مسدود بعد ما بدأ يصرح ويردد:
"أنا صراحة لسه في قمة شبابي.
أنا محتاج إنسانة تناسبني شكلاً وعمراً".
رغم اللي بيني وبينه سنتين يعني
أنا وصلت لعمر 45 وهو 47،
لكن هو كان مهتم بنفسه وما
شال مسؤولية ولا هم ولا تعب،
وبالمقابل أنا اللي كنت شايلة كل
المسؤولية. فشيء طبيعي أني أنا اللي
يبان علي الكبر والتعب بالوقت اللي
هو شايف نفسه لسه في قمة
شبابه. فبدأ يحكي ويقول لي: "أنا
راح أتزوج". كنت أعاتبه وأقول له:
"هذه هي الهدية اللي راح تهديني
إياها! هذا الجزاء اللي أنا منتظرته
منك طوال السنين هذه كلها. هذه
كلمة شكرا اللي تعرف تقولها لي
بعد السنين وبعد ما ربيت لك
عيالك أحسن تربية، وخليتهم جامعيين وناجحين.
تجي بالآخر تقول لي الكلام هذا؟".
قام يقول لي: "أنا ما راح
أسوي حرام ولا عيب ومن حقي
أعيش. أنا شبابي ضاع بالغربة. ومن
حقي أعيش وأستمتع". جيت أقول له:
"طيب وأنا وسنيني اللي ضاعت، واش
اللي راح يعوضني؟". كان يقول لي:
"احتسبي الأجر". ما قدرت أتقبل وعشت
حالة نفسية سيئة لدرجة أني تعبت،
وفعلاً وصلت لمرحلة ما أقدر أقوم
من سريري، أحس أني خلاص مصدومة
ومجروحة وكل أعضاءي توجعني، ما كنت
أعرف إيش فيني بالضبط، ما غير
أني أبكي. بناتي وعيالي مره كانوا
زعلانين، كانوا يحاولون يقوون ويواسون لكن
ما كنت قادرة. كل مرة كان
يدخل علي ويقول لي: "أنا راح
أتزوج. تسوين اللي تسوينه وتمرضين، تقومين،
أنا راح أتزوج وهذا قرار أنا
مقرره". كنت أعصب ويغمى علي، يقول
لي: "اصحي لا تمثلين بلاش الحركات
هذه" وينتقدني بطريقة مره كانت موجعة.
طبعًا التفاصيل هذه أسمعها من بنتي
بعد ما تزعل وتواجه وتقول له:
"حرام عليك ارحم أمي". فكان يزعل
وشوي يهدى ويسحب نفسه. ومره من
المرات كنت تعبانة مره وأخذني ولدي
الكبير ورحنا المستشفى. ولما رجعنا لقيناه
قاعد بالصالة. دخل ولدي يتكلم معاه
ويقول له: "أني كنت تعبانة والدكتور
قال أني قاعدة أتعرض للاسترس وتعبانة
ويشرح له الحالة وأنا دخلت غرفتي
ما حاولت أتكلم معه". شوي يدخل
وراي ويقول لي: "لو تسوي اللي
تسوينه، تمثلين، تتجنين، تنجلطين، أنا راح
أتزوج. ويكون في علمك أنا خطبت،
وبعد كم يوم راح يكون زواجي".
مره نهرت وتعبت وبجد مريت بأسوأ
أيام حياتي. الشيء الوحيد اللي كان
كاسر خاطري عيالي قد إيش متأثرين
وزعلانين علي. كنت أحاول أقوي نفسي،
خصوصًا أنه خلاص سوى اللي في
راسه وخطب وتزوج. فكان لازم أرضى
بالأمر الواقع وأعيش لي ولعيالي مثل
ما عشت السنين هذه كلها. راح
تزوج بنت ثلاثينية ونسى وجودي كليًا،
وأخذ واحدة من الشقق اللي بنفس
العمارة اللي إحنا فيها، وسكنها. تتخيلين
أنه يطلع ويرجع ما يفكر يدخل
بيتي أبدًا. مرت سبع شهور ما
شفتهم فيه نهائيًا، عايش حياته، يطلع
ويسافر ويرجع وياها، وعايش حياته، مو
مفكر فيّ ولا في عيالي. بس
عيالي ما يقصر معاهم، يعني احتياجاتهم
يحطها ويرسل لكل واحد الحساب ومصروفه
الخاص. أغراض البيت يجيبها بس بدون
ما يدخل أو حتى يسألني إيش
تحتاجين. أنا من حقي لأني زوجته
أنه يكون لي يوم مثل ما
زوجته الثانية لها يوم، لكن تجاهلني
بشكل كامل وكأني مو موجودة. كابرت
وكابرت وحاولت عشان ما أخسر عيالي
وعشان ما أضيق خاطرهم. خصوصًا كانت
عندي واحدة من بناتي آخر سنة
ثانوي. حاولت أني أكابر وأتحمل وأعدي
وأعيش معاهم. الأمر جدًا طبيعي أتعامل
معه كأنه مسافر ومو موجود، وعادي
نطلع نرجع أنا وياهم ومكملين أمورنا
وكأنه مو موجود فعلاً. بس الشيء
هذا خلى قلبي يصير قاسي كأنه
حجر. صرت فعلاً ما أبي أسمع
حتى اسمه وما أبي أشوفه ولا
يهمني بأي شيء. كل اللي كان
يهمني أني أكون بصحة وعافية وعيالي
حولي. فجأة ودون مقدمات تفاجأت أنه
مرض. توقعته مرض عادي يعني مرض
يوم يومين بس، تطور الوضع وصار
طريح بالسرير ما يتحرك لدرجة الله
يعزكم ويكرمكم يعملها على نفسه، يعني
يضطرون يحطون له حفاضات وتغييرات ومعاناة
فعلاً عاشتها زوجته معه. ما كنت
أدري بهالتفاصيل، لكن لما طول الموضوع
وصار له أكثر من أسبوعين على
هالوضع، جاتني بنتي وهي تبكي تقول
لي: "أبوي يسأل عنك، أبوي صار
ما يقدر يتحرك من سريره، أبوي
تعبان مره، ما ندري ش فيه
بالضبط". المشكلة حتى زوجته الحيـ'ـوانة مره
تعصب عليه وتـ'ـنافق وتقول: "إيش ذا
الحظ اللي لي وليش تزوجته؟"، وكانها
مره يعني واصله معاها أم متحملة.
وبعد إصرار من عيالي نزلت تحت
أشوفه ودخلت وتحملت له بالسلامة وأقول
له: ما تشوف شر. وفعلاً انصدمت
من الوضع اللي هو فيه، لكن
ما أخفيكم كان من داخلي كده
أحس أنه في شيء يقول لي:
يستاهل اللي سواه فيك. فجأة التفت
علي ويحاول يسحب يدي ويقول لي:
"سامحيني، سامحيني". وفعلاً أشوف الدموع بعيونه
يقول لي: "سامحيني، أنا ظلمتك، أنا
جرحتك، أنا صدمتك، أنا ما عوضتك،
كنت أستاهل كل اللي تسوينه عشاني.
أنت إنسانة عظيمة، أنت كنت تستاهلين
مني كل خير، لكن أنا أناني
وأنا أستاهل اللي أنا فيه بسبب
ظلم لك. فسامحيني، أنت ما في
مثلك، أنت إنسانة ما راح تتكرر".
ويصيح ويقول لي: "لا تتركيني، أنت
غير". رغم هذا يا جماعة الخير
ما قدرت أتعاطف معه، أحس نفسي
ماني قادرة أتقبل كلامه، ماني قادرة
حتى أحن عليه. والسبب هو هو
اللي وصلني للمرحلة هذه، لاني فعلاً
حقـ'ـدت عليه وكرهته وكرهت أنانيته. فسحبت
يدي وما تكلمت، وقعدت أقول له:
"الله يشفيك، وإن شاء الله تقوم
بالسلامة لعيالك وزوجتك". وقمت أخذت نفسي
وطلعت من عنده وأقول في نفسي:
"أنا ما راح أرجع أزوره، أنا
ما لي علاقة فيه. زوجته تقوم
فيه، أنا عني أنا ما عاد
لي وجود بحياته مثل ما نساني،
أنا نسيته، أنا ما أبيه، لكن
بنفس الوقت خايفة ربي يعاقبني إذا
أنا ما عاد زرته ولا رحت
له وتركته وهو بهذا الوضع. أنا
لازم علي أني أقوم فيه، رغم
هو اللي تركني وراح وعاش حياته
واختار إنسانة يكمل معاها. أنا بجد
محتارة، ودي برأي، ودي بأحد حكيم
فاهم يقول لي إيش المفروض اللي
أسويه. وهل إذا ما عاد شفت
ولا نزلت له راح أكون مسوية
ذنب أو إنه هذا أبسط شيء
ممكن أسويه؟ لأن الصراحة ماني قادرة،
في شيء كذا مانعني. في شيء
كذا مانعني عشان ما أحن عليه
أو أعطف عليه. ماني قادرة، ماني
قادرة أتعاطف معاه أبدًا. أحس فعلاً
صار حجر من ناحيته. بس اللي
مخوفني أني يكون الشي هذا ذنب
راح أتعاقب عليه. فيا ريت تفيدوني،
وبس انتهت قصتنا لليوم.