السلام عليكم، أنا مساعد الشراري، وكل
يوم راح أنزل لكم قصة منقولة
من متابعيني لكن لا تنسون تصلون
على النبي وتتابعون حسابي وتشاركون القصة
مع أصحابكم ونبدأ قصتنا لليوم؛ تقول
صاحبة القصة: أيام قليلة تفصلني عن
فرحة العمر على الكوشة والفستان الأبيض
عن بيت يجمعني أنا والنصف الثاني،
فجأة حادث يقلب الدنيا فوق تحت،
فتحت عيوني وأنا في المستشفى، جسمي
كله يوجعني كأنّه مكسّر. تكسير شوي
شوي بدأت أستوعب وين أنا فيه،
أبوي وأمي وإخواني كلهم حولي، وجوههم
باين عليها الخوف والقلق. ما حسيت
بالدنيا إلا بعد ما سمعت الدكتور
يقول: "لازم يشيلون الرحم عشان ينقذون
حياتي." ما أدري شو قاعد يصير،
حسيت الدنيا تدور فيني كأني في
حلم أبي أصحى منه. أبويا المسكين
وجهه انقلب، أمي أشوفها تبكي، إخواني
متأثرين من وضعي حاولوا يدورون لي
حل ثاني أي شيء بس ما
في فائدة، لازم العملية، كأني في
حلم وكابوس ثقيل أبي أصحى منه.
بعد العملية صحيت ولقيتهم كلهم واقفين
ينتظرون، نظراتهم كانت كلها حزن وشفقة،
الدكتور بهدوء قال لي اللي صار.
وقتها حسيت روحي بتطلع من جسمي،
إزالة الرحم يعني ما في أطفال،
ما راح أكون أم، ما راح
أسمع كلمة ماما اللي كنت أحلم
فيها طول عمري. تجمعت كل أحزان
الدنيا في قلبي، صرت أصيح وأبكي
وأدعي إنه مجرد حلم. يا رب
حلم! أعطوني إبرة مهدئة، غبت عن
الوعي مرة ثانية. بعد أيام جاني
زوجي، كان شكله متردد كأنه شايل
جبل على صدره. سألته: "وش فيك
يا فلان وش اللي مضايقك؟" تردد
كثير وكان عنده كلام يبي يقوله،
بعدين قالها بصعوبة: "أنا ما أقدر
أكمل معك، ما أقدر أتزوج واحدة
ما تجيب لي عيال." يا الله
وش اللي قاعد يصير! ترجيته وأنا
أبكي قلت: "تزوج علي اللي تبي
بس لا تتركني." أهلي كلموه وحاولوا
يقنعوه بس ما في فائدة، كان
مصمم على قراره. حسيت الدنيا كلها
انهارت فوق راسي. معقولة كل هالأحلام،
كل هالتخطيطات، كل هالفرحة بتنتهي كذا؟
معقولة عشان ما راح أجيب عيال؟
كل شيء انتهى. قلبي أوجعني، روحي
تعبت، مستقبلي صار ظلام في ظلام.
ما أدري إيش بيصير فيني وكيف
أقدر أواجه الدنيا لحالي. يا الله
ساعدني. سنتين مرت من يوم عقدنا
القران، سنتين وأنا عايشة على أمل
هذي اللحظة اللي أصير فيها زوجته
بشكل رسمي. سنتين وأنا أحسب هالأيام
واللحظات عشان أكون معاه تحت سقف
واحد، كلها كم يوم وكنت بلبس
الفستان الأبيض. الأحلام كانت كبيرة، أكبر
من أي شيء ممكن تتصورونه، كنت
راسمـة حياتي معاه بالملي. كل شيء
مرتب ومنظم من أول يوم بالزواج
لين آخر يوم في عمرنا، مجهزة
حتى شنطة المستشفى من بدري. مجهزة
استقبال النفاس، كأني ضامنة إني حامل،
مهتمة بأدق التفاصيل، ما خليت شيء
ما فكرت فيه. حتى لون المناديل
في الحمام، أكرمكم الله، نوعية الشامبو
اللي نستخدمه، كل شيء كان لازم
يكون كامل ومثالي. أسامي عيالنا، يا
الله! هذه قصة ثانية، قعدنا شهور
ندور أسامي، نقرا في المعاني، نختار
اللي يعجبنا. كنا نتخيل أشكالهم كيف
وكيف بنناديهم وكيف بيكونون نسخة مصغرة
منا. إذا جانا ولد بنسميه فلان،
وإذا جت بنت بنسميها فلانة، كنا
نقولها ونضحك وكأننا شايفينهم قدام عيوننا.
بيت الزوجية، هذا عشق الثاني، أنا
اللي اخترته، وأنا اللي نسقته، قطعة
قطعة. كل ركن فيه يحكي قصة
حبنا، كل لومة تعكس شخصيتنا. أثاث
مودرن على لمسة كلاسيكية، ألوان هادئة
ومريحة، صورنا معلقة على الجدران. كنت
أتخيل نفسي وأنا أطبخ في المطبخ
وهو جالس في الصالة يتفرج علي
ويبتسم. كنت أتخيل نفسي وأنا أربي
عيالنا في هالغرف وأعلمهم قال الله
وقال الرسول. كل شيء كان جاهز،
كل شيء كان ينتظر اللحظة الحاسمة،
لكن يا حسرة الأحلام اللي تبخرت
في لحظة، لكنها إرادة الله سبحانه.
واللهم لا اعتراض. أربع شهور مرت
وكانها أربع سنين. أربع شهور من
الألم والوجع والوحدة. أربع شهور وأنا
أحاول ألمّم شتات نفسي وأجمع بقايا
قلبي المكسور. أربع شهور وأنا أحاول
أتقبل واقعي الجديد، واقعي اللي ما
في أمومة ولا في زوج ولا
في بيت يجمعني بحبيبي. الكل يقول
لي: "الله يعوضك، الله يرزقك خير
منه، الله كاتب لك الأحسن." وأنا
أبتسم ابتسامة باهتة وأقول: "آمين." بس
من داخلي كان فيني غصة وكسر
ما له جبر. اليوم هذا بالذات،
اليوم هذا كان أصعب يوم يمر
علي. أصعب يوم في حياتي كلها،
اليوم اللي تمنيت الموت فيه 1000
مرة ولا أني أعيشه. اليوم اللي
حسيت فيه أني أضعف وأتعس إنسانة
في هالدنيا. اليوم هذا موعد
زواج طليقي، تزوج غيري. أخذ نصيبي،
أخذ حلمي، أخذ كل شيء كان
لي. تزوج واحدة ثانية، واحدة بتعوضه
عني، واحدة بتجيب له العيال اللي
كان يتمناهم. تزوج واحدة بتشاركوا بيتي
وحياتي اللي كنت راسمتها معه. أكثر
شيء آلمني إنه تزوج وسكن في
نفس البيت، نفس البيت اللي أنا
اخترته بكل حب، نفس الأثاث اللي
اخترته قطعة قطعة، نفس الألوان اللي
اخترتها بعناية. كل شيء كنت مجهزته
لحياتي الزوجية صار لغيري. تخيلوا! كل
ما أغمض عيوني أشوفهم جالسين في
صالتي يضحكون، في مطبخي. تمنيت في
هاللحظة إني مت في الحادث ولا
مت في العملية ولا إني حسيت
بهذا الإحساس. تمنيت إني اختفيت من
هالدنيا ولا إني شفت هالمشهد. بس
موش بيدي أسوي؟ القدر مكتوب، والرزق
مقسوم، وكل شيء بأمر الله اللي
ما عندي فيه شك إنه ربي
شايفني. الخير في هالشيء أكيد. ربي
بيعوضني بأحسن منه. أكيد ربي بيفتح
لي أبواب رزق ما كنت أتوقعها.
أدري إنها صعبة وأدري إنها مؤلمة،
بس لازم أتقبل ولازم أستسلم لقضاء
الله، ولا عندي شك أبدا إنه
ربي بيعوضني خير، بس متى وكيف،
هذا اللي ما أعرفه. أدعي ربي
في كل صلاة وفي كل لحظة
إنه يربط على قلبي ويثبتني ويعوضني
خير، وأدعي إنه يسعده ويهنيه في
حياته الجديدة، حتى لو كانت سعادته
على حساب سعادتي. قال تعالى: "وعسى
أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم،
وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر
لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون."
صدق الله العظيم، هالآية دائماً أرددها
وأحاول أستمد منها القوة والصبر. سنوات
طويلة مرت وأنا أحاول أعيش مع
هذا الوضع، أحاول أتعامل مع حياتي
الجديدة، حياة الوحدة والوجع. حاولت أشغل
نفسي بالشغل، بالصديقات، بالهوايات، بس ولا
شيء كان يملى الفراغ اللي بداخلي.
عشر سنين مرت من الحادث، عشر
سنين وأنا عايشة جسد بلا روح.
أصحى الصبح، أروح الدوام، أرجع آخر
النهار. أكرر نفس الروتين كل يوم.
ما في فرحة، ما في شغف،
ما في أي شيء. ما كان
في شيء يخليني أحس إني عايشة.
الكل يشوفني قوية ومستقلّة وناجحة بس
ما حد يعرف شو اللي بداخلي،
ما حد يعرف عن الدموع اللي
تنزل كل ليلة، عن الذكريات اللي
تطاردني في كل مكان، عن الحلم
اللي تبخر وما عاد له وجود.
حاولت أنسى وحاولت أتجاوز وحاولت أسامح،
بس قلبي ما طاوعني. الجرح كان
عميق، والطعنة كانت قوية، وما قدرت
أنسى اللي صار. في يوم من
الأيام اللي ما كنت متوقعة أبد،
دق الباب. فتحت الباب، انصدمت مين
اللي كان واقف قدامي. تخيلوا! زوجي
السابق، شكله متغير، ملامحه حزينة، وعيونه
فيها نظرة ندم. سألته: "شو جايبك،
ليش جاي بعد هالسنين؟" تردد وتلعثم
وبعدين قال اللي ما توقعتّه أبدا:
"زوجتي طلبت الانفصال." بعدين سكت شوية.
كمل: "اكتشفنا إني عقيم وما أجيب
عيال، ورفضت تستمر معي. تبي تتزوج
وتجيب أطفال." وقتها حسيت بشعور غريب،
شعور مزيج بين الفرحة والانتقام. كان
ربي أراد ينتقم لي بعد سنين
طويلة، كأنه قاعد يذوق من نفس
الكأس اللي أسقاني إياه. كمل كلامه
وقال: "أنا ودي نرجع لبعض، ودي
نتزوج من جديد. إحنا مثل بعض."
يا وقـ،ـاحة كلامه، يا جُرأته، بعد
كل اللي سواه فيني جاي يطلب
مني أرجع له بعد ما تخلى
عني في عز حاجة. لو يقول
ما لنا إلا بعض، قلت له
بكل قوة وثبات: "لا، ما أتزوجك
لو تكون آخر رجال في العالم.
أنت اللي تخليت عني، أنت اللي
كسرت قلبي، أنت اللي دمرت حياتي،
ولا راح أسامحك ولا راح أنسى
اللي سويته فيني. تخليت عني وأنا
في عز حاجتي لك، يوم كنت
مكسورة وكنت محتاجة لك. تركتني ورحت
تدور على غيري. الحين جاي تطلب
مني أرجع لك؟ لا، يا حبيبي
فات الأوان، وأنا مو لعبة في
إيدينك. متى ما بغيت جئت، ومتى
ما مليت رحت!" وسكرت الباب في
وجهه وأنا أحس بشعور الانتصار. أخيراً
قدرت أواجهه، أخيراً قدرت أقول له
اللي بداخلي، أخيراً قدرت أثبت له
إني أقوى منه. بس في نفس
الوقت حسيت بشعور حزن على حزن.
حزن على السنين اللي ضاعت، على
الفرص اللي راحت، على الحب اللي
انتهى. حزن على نفسي اللي تعبت
وانكسرت وانجرحت. بس قررت إني ما
أسمح له ياخذ مني أكثر من
كذا. قررت إني أبدأ صفحة جديدة
في حياتي، صفحة ما فيها وجع
ولا حزن ولا ذكرى مؤلمة. صفحة
أكتبها أنا بنفسي وألوّنها بالألوان اللي
أحبها. ما راح أكون أم، ويمكن
ما راح أتزوج، بس هذا ما
يعني إني ما أقدر أكون سعيدة.
السعادة مو شرط تكون في الزواج
والأطفال، السعادة ممكن تكون في النجاح،
في الصداقة، في العطاء، في الحب
الذاتي، وهذا اللي ناوي أسويه. أركز
على نفسي وأحبها وأسعدها. أريد أعيش
حياتي بالطريقة اللي تريحني، وإذا ربي
كاتب لي نصيب في الزواج بيجيني
في وقته المناسب، وإذا ما كان
لي نصيب الحمد لله على كل
حال. المهم إني أكون مرتاحة وسعيدة
وراضية عن نفسي. وصلت لــ 35،
يا الله متى مرت السنين! العمر
يركض وأنا واقفة محلك سر. تمر
أحس إني أكبر وأضعف. كل ما
أشوف اللي حولي يتزوجون ويخلفون، أحس
بوحدتي تزيد مع رفض المستمر للعرسان
والخوف اللي ساكن قلبي من إني
أنخذل مرة ثانية. صرت أفكر بحالي
بجدية. لين متى ببقى وحيدة؟ لين
متى بعيش على ذكرى الماضي؟ لين
متى بيضيع عمري في الندم والحسرة؟
بعدها توفى أبوي، وبعدها بفترة بسيطة،
ماتت أمي، رحمه الله عليهما. حسيت
إني انكسرت أكثر. فقدت سندي، فقدت
الحضـ،ـن اللي يلمني، فقدت كل شيء
كان يعطيني الأمل في الحياة. حسيت
إني وحيدة في هالدنيا، ما لي
أحد بعد الله. في هالفترة تقدم
لي شخص، رجال زوجته متوفية وعنده
بنتين وولد. كان محتاج إني أم
لعياله، محتاجني أمل جديد في حياته.
في البداية رفضته، شلون أتزوج واحد
أرمل وعنده عيال، وشلون أكون أم
العيال؟ ما هم عيالي، وشلون أبدأ
حياة جديدة بعد كل اللي مريت
فيه؟ بعد أسبوع صار شيء يغير
كل شيء. جاني زيارة، فتحت الباب،
انصدمت من اللي كانوا واقفين قدامي.
بنتين، واحدة عمرها ست سنوات والثانية
أربع سنوات. كانوا بنات الرجال اللي
خطبني. أول ما شفتهم بلا شعور،
بديت أبكي، بكيت بحرقة، بكيت من
قلبي، بكيت على حالهم وبكيت على
حالي. حسيت بمرارة يتيمهم، وحسيت بمدى
حاجتهم لأم، وحسيت بمدى حاجتي لأكون
أم. في هاللحظة طاح قلبي عليهم،
حسيت إني مسؤولة عنهم، حسيت إني
لازم أكون أم، لازم أكون موجودة
في حياتهم. حسيت إني لازم أعوضهم
عن حنان الأم اللي فقدوه، قررت
أوافق على الزواج. قررت أبدأ حياة
جديدة معاهم، قررت أكون أم لهم،
حتى لو ما كانوا عيالي. قررت
أعطيهم كل الحب والحنان اللي عندي،
وأعوضهم عن كل شيء فاتهم. يمكن
هالزواج مو هو اللي كنت أحلم،
ويمكن هالأطفال مو هم اللي كنت
أتمنى أجيبهم، بس أنا متأكدة إنه
هالفرصة هي اللي كنت احتاجها. هالفرصة
اللي بتعطيني معنى جديد لحياتي، هالفرصة
اللي بتخليني أحس بمعنى الحياة. أدري
إنه الطريق بيكون صعب، وأدري إني
بواجه تحديات كثيرة، ومع ذلك أنا
مستعدة، مستعدة أواجه كل شيء علشان
هالعيال، مستعدة أكون لهم الأم، مستعدة
أعيش عشانهم. وقتها تذكرت كلام أمي،
رحمه الله عليها. "يا بنتي، ربي
ما ينسى أحد، يمكن أخذ منك
شيء، بس بيعوضك بشيء أحسن منه.
بس خليك متفائلة، وثقي في ربك،
وادعي دائماً." وأنا واثقة في ربي
ومتفائلة بالخير، وأدعي إنه يوفقني ويسهل
أمري، ويعينني على تربية هالعيال تربية
صالحة، وأدعي إنه يجعلني أم صالحة
لهم، وقد المسؤولية اللي أعطاني إياها.
بعد الزواج اكتشفت إني تزوجت أنبل
الرجال وأكرمهم. رجال حنون، طيب، ومتفاهم،
يقدرني ويحترمني ويثق فيني. رجال عوضني
عن كل اللي فات ورجع لي
الأمل في الحياة. عشت معه أجمل
سنوات عمري، سنوات مليانة حب وسعادة
وتفاهم، سنوات حسيت فيها بالأمان والاستقرار.
سنوات حسيت فيها إني أخيراً لقيت
مكان في هالدنيا. الولد مسكين، ماتت
أمه بالولادة. أول ما شفته كان
عمره شهرين، كان صغير وضعيف ومحتاج
لحنان ورعاية. أخذته بحـ،ـضني وحسيت بشعور
غريب، شعور الأمومة اللي كنت أتمناها
طول عمري. صرت الأم الحنونة لهم،
أطبخ لهم، أغسل ملابسهم، وأذاكر معهم
والعب معهم. صرت كل شيء لهم
ومعاهم. عشت إحساس الأمومة بكل تفاصيلها.
كنت أشوفهم قدامي يكبرون، أتعلم معهم
وأشاركهم أفراحهم وأحزانهم. عرفت معنى الأمومة
الحقيقية معهم، عرفت قيمة العائلة والألفة.
أول مرة أسمع منهم كلمة ماما،
يا الله وش هذا الشعور! كلمة
بسيطة هزتني، كلمة خلتني أبكي من
الفرحة، كلمة كنت أراها مثل الحلم،
بس ربي أراد غير كذا. ربي
أراد يجبر بخاطري، ربي أراد يعوضني
عن كل اللي فات. ربي أراد
أكون أم، حتى لو مو بنفس
الطريقة اللي كنت أتخيلها. إذا مرضوا،
كنت أسهر الليل كله جنبهم، أراقب
حرارتهم وأعطيهم الدواء، وأدعي لهم بالشفاء.
كنت أخاف عليهم بشكل ما كنت
أتخيله. كنت خايفة عليهم أكثر من
نفسي. كنت أسعد بسعادتهم وأضحك لضحكهم
وأتألم لبكاهم وأزعل لزعلهم. كانوا لي
كل العالم، كانوا لي كل الحياة،
كانوا النور اللي ينور دربي، البلسم
اللي شاف جروحي. وكان الله أراد
جبر خاطري. عوضني عن كل اللي
فقدته وأعطاني أكثر مما كنت أتمنى.
صار عندي ثلاث أطفال، وعشت حياة
سعيدة وهانئة مع زوجي الحبيب. مرت
12 سنة من السعادة والأمل، من
الحب والتفاهم، من الدفء العائلي اللي
كنت أتمناه طول عمري. كنت عايشة
مع رجل نادر في هالزمن. رجل
عوضني عن كل اللي فات، وكان
لي السند والعون بعد الله في
كل شيء. لكن الفرحه ما تدوم،
والسعادة ما تكمل. في أحد الأيام
الحزينة، صار عليه حادث وهو راجع
من الدمام. توفى، رحمه الله عليه.
وقتها كانت المصيبة علي عظيمة. وش
هالكارثة اللي حلت بحياتي؟ وشلون أعيش
من دونه؟ وشلون أربي عياله من
دونه؟ وشلون أواجه الحياة لحالي؟ ما
أدري أتألم على حالي ولا على
عياله ولا على حال عياله. كل
واحد فينا مصيبته أكبر من الثاني.
أنا فقدت حبيبي وشريك حياتي وهم
فقدوا أبوهم وسندهم. صرت قدام مسؤولية
صعبة وأمانة كبيرة. لازم أكون قوية
عشانهم، لازم أكون سند لهم. لازم
أعوضهم عن فقد أبوهم. حاولت أكون
لهم الأب والأم في نفس الوقت.
كنت ألعب معهم وأذاكر لهم وأسمع
لهم وأواسيهم. حاولت أعوضهم عن كل
الحنان اللي فقدوه، مع إنه كنت
في حاجتهم أكثر من حاجتهم لي.
كنت محتاجة الحضـ،ـن يلمني، كل ما
توآسيني ويد تمسح دموعي، بس كنت
عارفة إني لازم أكون قوية عشانهم،
وإني ما أقدر أضعف قدامهم. استعنت
بالله وتوكلت عليه ودعيت إنه يعطيني
القوة والصبر عشان أقدر أكمل مسيرة
أبوهم. كانت أيامي صعبة وليالي طويلة.
كنت أحياناً أحس إني خلاص ما
أقدر أتحمل أكثر، بس كل ما
أشوف عيون عيالي، أتذكر إني لازم
أكون قوية عشانهم. وعدت نفسي إني
ما راح أخذلهم، وإني راح أربيهم
أحسن تربية، وإني راح أخليهم رجال
ونساء صالحين يرفعون راس أبوهم. ومشيت
على هذا الوعد وكملت المسيرة بعد
رحيل زوجي. ما كفاني الحزن والألم
اللي في قلبي، طلعت لي مصيبة
ثانية ما كنت حاسبة حسابها. تفاجأت
إنه خوال عيالي يبون ياخذونهم مني،
وقالوا كلام صدمني، في صدمة عمري:
"أنت غريبة عنهم، هذول عيالنا من
دمنا ولحمنا، هم يبونا وأحنا نبيهم
حق فيهم." رفضت، رفض قاطع. مستحيل
أسمح لهم ياخذون عيالي مني. هذول
عيالي، أنا اللي ربيتهم، وأنا اللي
تعبت عليهم، وأنا اللي سهرت الليالي
عشانهم. قلت لهم بصوت عالي: "مستحيل
عيالي ما ياخذهم مني مخلوق، لو
على موتي ما تاخذونهم. هذول عيالي
وأنا أمهم، ما راح أتنازل عنهم
أبدا." ارتفع صوتي وارتفع النقاش، في
هاللحظة سمعت صوت من وراي، كان
ولدي راكان. وقف راكان قدام خاله
ورفع صوته، وقال: "وشلون تاخذونا من
أمنا، خاله؟" رد عليه بكل رد:
"أمك ماتت، هذه زوجه أبوك، هذه
مو أمك الحقيقية." وقتها انفجر راكان
في وجهه، وقال كلام هزني من
داخلي: "هذه أمي، هي اللي ربتني،
وهي اللي تعبت علي. ومن فتحت
عيني على الدنيا ما أعرف إلا
هي. أنا ماني يتيمه الأم، أنا
عندي أم، ولا أريد إلا أمي،
ولا يفرقني عنها إلا الموت." سمعت
كلام راكان، قعدت أبكي، بكيت من
الفرحة، بكيت من القهر، بكيت من
الحب. كلامه كان بلسم لجروحي. كلامه
كان دليل على إني نجحت في
تربيته، وإني قدرت أكون له الأم
اللي يتمناها. بعد ما سمع خاله
كلام راكان، سكت ومشى وهو مكسور
الخاطر. ركضوا علي بناتي، العنود والبندري،
وضـ،ـموني ضـ،ـمة قوية، حسيت بضـ،ـمتهم كانوا
يقولون لي: "تخافين يا أمي؟ إحنا
معك ما راح نتخلى عنك أبدا."
ضـ،ـميتهم ضـ،ـمة اللي ما يبي يترك
روحه، ضـ،ـمة اللي خايف يفقد كل
شيء يملكه في هالدنيا. في هاللحظة،
عرفت إني مو لحالي. عرفت إنه
عندي عيال يحبوني ويخافون علي، وإنهم
مستعدين يضحون بكل شيء عشاني. في
هاللحظة قررت أكون أقوى من أي
وقت مضى. قررت إني أحامي عشانهم،
وأحميهم من أي خطر يهددهم، وعرفت
إني ما راح أسمح لأي مخلوق
ياخذهم مني، لو كلفني هالشيء حياتي،
لأنهم عيالي وهم كل حياتي. مرت
السنوات وكبروا عيالي. مرت السنين بسرعة
البرق وأنا أشوفهم قدامي يكبرون، ويصيرون
رجال ونساء يعتمد عليهم. العنود تخرجت
مهندسة وصار عندها مكتب هندسي خاص
فيها، يا فرحتي فيها، ويا فخري
فيها. كانت دائماً متفوقة ومجتهدة، والحمد
لله ربي وفقها وحقق حلمها. العنود
تخرجت صيدلانية وتوظفت في مستشفى كبير.
كانت دائماً حنونة وطيبة وتحب مساعدة
الناس، والحمد لله ربي وفقها مع
مجالها. حبيبي راكان، تخرج من الكلية
الأمنية وصار ضابط، عزوتي وسندي. كان
دائماً وفي ومخلص ويحبني، يخاف علي.
الحمد لله ربي وفقه في عمله.
العنود تزوجت وصار عندي حفيد، يا
الله وش هالشعور! شعور ما كنت
أتصور إني بعيشه. الطفلة الصغيرة اللي
ربيتها على يدي، صارت أم. العنود
تزوجت طبيب وصار عندها بنت، ويا
فرحتي ببنوتتها، ويا حبي لها. كانوا
يجيبون عيالهم عندي قبل يطلعون لدواماتهم.
يقعدون عندي النهار كله، يلعبون ويضحكون
ويسوون فوضى. ملاوا حياتي سعادة، وامتلا
قلبي فرحة معهم. حسيت إني مو
وحدي في هالدنيا. راكان، صرت أساله:
"يا وليدي، متى تبيني أزوجك؟ متى
تبيني أفرح فيك؟ علمني شو المواصفات
اللي تبيها في زوجتك، شو اللي
تبحث عنه؟" كان يجاوبني بكل بساطة:
"ما عندي أي طلبات معينة، يا
أمي، أهم شيء تكون بنت حلال
وتخاف الله وترضى تسكن معي أنا
وياك." من سمعت كلامه، بكيت من
الفرحة، بكيت من الامتنان. كنت أحاول
فيه يسكن بعيد عني علشان راحت
زوجته، بس هو كان مصر إنه
يبقى بجنبي. كان يقول لي: "مستحيل
أتركك لحالك، يا أمي. أنت أمي،
في أحد يترك أمه؟ تزوج بعدين."
الله وفقه في زوجة بنت حلال
وطيبة تحبني وتخاف علي. سكن راكان
وزوجته عندي، وصار بيتي عامر بوجودهم.
في أصوات عيالهم، يوم زواج راكان
كنت أبكي سعادة. كنت أتذكر أول
مرة شفته وعمره شهرين. كيف والحين
صار رجال ومتزوج. في كل اجتماع
لعِيالي كنت أحمد الله كثير على
كل ما صار لي. أحياناً أفكر
في الماضي وأتذكر الحادث والعملية والطلاق،
وكل اللي مريت فيه. بس بعدين
أبتسم وأقول: "الحمد لله على كل
حال، كل شيء صار لي كان
لي سبب. وكل شيء صار لي
خلاني أوصل للي أنا فيه اليوم."
أنا ممتنة لربي على كل نعمة،
ممتنة لزوجي، رحمه الله عليه، على
حبه ودعمه، وممتنة لعيالي على وجودهم
في حياتي. أدعي ربي إنه يحفظهم
لي ويسعدهم ويوفقهم في حياتهم. أدركت
إنه إزالة الرحم كانت خير لي،
وإنه ربي بيعوضني بأفضل مما كنت
أتمناه. ربي رزقني بولد وبنات، ما
في أحسن منهم. عوضوني عن كل
الألم اللي مريت فيه، ومالت حياتي
حب وسعادة ورضا. واليوم وأنا أقول
قصتي، أنا امرأة سعيدة وراضية وممتنة،
امرأة عاشت حياة مليانة بالتحديات والصعاب،
لكنها تغلبت عليها بالإيمان والصبر والتوكل
على الله. امرأة عرفت معنى الأمومة
الحقيقية وعاشت حياة كاملة ومُثمرة. وأخيراً
أقول لكل من يسمع قصتي: لا
تيأس أبداً، ولا تفقد الأمل مهما
كانت ظروفك صعبة ومهما كانت آملك
كبيرة، ثق بالله وتوكل عليه، واسعى
للخير، واعلم أن الله لا يضيع
أجر أحسن عملاً. وهنا تنتهي قصتنا
اليوم.