تقول صاحبة القصة: أنا اسمي حليمة،
تربيت بديرة صغيرة على قد حاله
وسط سبع رجال، وأنا البنت الوحيدة
بينهم. أنا من دولة عربية، من
يوم كان عمري سبع سنين وأنا
أطلع كل صباح مع أخوي ناخذ
الغنم ونسرح ونقعد طول اليوم بين
الحلال، نراقب ونمشي ونتعب ونرجع مع
المغرب. غدانا كان يا خبـزة يا
بطاطا مسلوقة وأحياناً لبن، وإذا مرة
تدلعنا بيضة والمويه نشرب من البئر
اللي بطريقنا. ما كان أحد يكلمنا
عن مدرسة ولا قلم ولا دفتر،
كل همهم الغنم والزريبة. مرت الأيام
لين جاء يوم وانقلب كل شيء.
أمي اللي كانت لنا الأم والسند
طاحت طيحة ما قامت منها، مرضها
شدها للفراش ما عادت تقدر تقوم.
وقتها دخلت حياتنا واحدة جديدة، زوجة
أخوي الكبير، صارت هي الأمر الناهي،
كل شيء لازم يمر من تحت
يدها ويا ويلك لو ما نفذت
كلامها بالحرف الواحد. بيوم من الأيام،
زاد الحلال وقالت مرّة أخوي: خلوا
حليمة تقعد اليوم تونسني، لا تطلع
تسرح. كنت فرحانة إنه أحد أعطاني
اهتمام حتى لو بسيط، بس ما
لحقت أفرح، مرّت أخويا الثانية جتني
وسحبتني من شعري قدام أمي المريضة.
قالت: قومي اطلعي للزريبة. أنا طايحة
على الأرض وأشوف أمي بعينها دمعه
عاجزة تنزل عينها، كانت تقول لي:
آسفة ما أقدر أحميك، بس الدمع
وقف في عيوني ما نزل، يمكن
لأني تعودت. طلعت للزريبة وفتحت الباب
وفكيت الكلب اسمه ريكس، كان أقرب
لي من البشر. مشينا بلا خـبـز
بلا أكل، حتى أخوي نسى ياخذ
غداء بنص الطريق، تذكر وقال لي:
ارجعي جيبي. قلت له: ما أقدر،
عيشة ضربتني الصباح وما أبي أرجع.
قال: اجلسي هنا وأنا أرجع أجيبه.
جلست وجلست الساعة راحت ورا الثانية
والثالثة وهو ما رجع. الغنم تحركوا
وأنا تبعتهم. رجعنا للزريبة تعبانه وجوعانه
وما قدرت حتى أوقف على رجولي.
وصلت البيت لقيت البيت مليان ناس،
دخلت أدوّر أمي وصيح: يمّه يمّه،
ما حد يرد عليه، لأن واحدة
قالت لي: أمك ماتت، ماتت من
الصبح ودفناها العصر. أنا وقفت
مكاني، تجمدت، شلون ومتى، ليش ما
حد قال لي؟ كنت أبي أشوفها
وأضمها وأقول لها: سامحيني، بس خلاص
أمي راحت. عائشة اللي قبل كم
ساعة سحبتني من شعري قدام أمي
جتني حضنتني قدام الناس، قالت لي:
لا تخافين، أنا معك، بس ما
صدقت. كنت أبكي وبس. في الليل
لما خفوا الزوار، عائشة رجعت لحقيقتها،
جتني وضربتـ'ـني عشان أسكت. نمت بدمعتي
وما عرفت أتنفس من كثر ما
بكيت. صحيت الصبح أدور أمي، يمكن
كل شيء كان حلم، بس لا،
قدامي عائشة واقفة حادة، حاطة يدينها
بجنوبها. قالت لي: قومي احلبي. أنا
وش أدري عن الحلب، أنا توي
صغيرة، بس قمت خايفة من الضـ'ـرب.
ويا سبحان الله المعزات ما تحركوا،
حسوا فيني، خلوني أحلبهم وأنا أبكي.
طبعاً عائشة ما عجبها، ضربتـ'ني. شافني
أبوي قال لها: ليش تضـ'ـربين؟ قالت:
أعلمها تصير صاحبة بيت. قام عليها
وقال: بنتي صغيرة مو ******* وكل
واحد يروح لبيته، ما عاد أريد
أحد يجلس عندي. أنا في ذاك
اليوم حسيت إنه أحد أخيراً انتصر
لي. أبوي قال لي: خلاص روحي
ارتاحي، ما راح تطلعين اليوم. قلت
له: أبغى أزور قبر أمي. قال
لي: روحي. طلعت مع ريكس كلبـ'ـياللي
ما فارقني، كان هو الونيس وهو
اللي يسمعني من غير ما أتكلم.
رجعنا مع المغرب لقيت البيت فاضي،
إخواني راحوا لبيوتهم وأبوي يسوي باب
الزريبة. ناظر لي كذا وقال لأخوي:
تعرفي تسوي عصيدة؟ سوي لأختك. أخوي
ضحك وجاب الحطب وسواها. وقتها أبوي
قال لنا: أنا خلاص بترك الديرة،
أشتغل برا راح لدولة ثانية. راحت
أيام وجات شهور، وجاء اليوم اللي
أبوي قرر يتزوج، وجاب حرمة جديدة.
مرت الأيام وأبوي فعلاً تزوج. جات
حرمة جديدة للبيت، أنا كنت أطالعها
من بعيد ما عرفت وش تحس
فيه، ولاو ش تبغى، نظراتها ما
فيها حنان، ما فيها كره، بس
فيها شيء غريب. كانت تطالعني كأني
حمل زايد. في يوم قالت لي
كلمتين ما نسيتها: اللي يخدم ياكل،
واللي ما يخدم ما له شيء.
أنا ما فهمت ش تقصد، بس
شفتها تعطيني نظرة تقول: يلا روحي
للمطبخ. دخلت، لقيت الدنيا مليانة قدور
وصحون، قلت الله يعينني. ومن ذاك
اليوم صارت حياتي بين الغنمات والصحون
والتنظيف، وهي ما تدري عني، لا
أكل، لا فطور، ولا شيء. بس
فجأة صرت أحس إنها تقسى أكثر،
صارت تضـ'ـربني وتعاقبني من غير سبب،
وتقول لي: اغسل الصحون بالمويه الحارة،
خلي يدينك تلين. كانت تقهرني بكلمة:
عشان تصيرين مراه، وتستاهلين بيت. وحملت
أجابة بنت، أنا فرحت فيها بشكل،
حسيت أخيراً في أحد صغير زيي
بيونسني أضمه وأحبّه. كنت أركض لها
كل ما أرجع من السرح، أضحك
وألاعبها، بس أمها ما كانت تحبها،
دائماً مهمومة ما تعطيها وجه، أنا
كنت غير، كنت أحبها حتى لو
ما تبادلني نفس الشعور، كنت أحس
إنها تخليني أنسى الجروح. كبرت وكبر
وجهي، صرت أشبه أبوي من مشيتي
ومن شكلي، زوجة أبوي صارت إذا
جاء أبوي وهي زعلانه تقوم تشتكي
تقول: بنتك سوت، وبنتك فعلت. وأبوي
يصدقها. مرت شهور وجابت حرمة أبوي
ولد، أبوي كان يرقص من الوناسة،
أنا أول مرة أشوفه يضحك كذا،
عرفت إنه أبوي يحب الأولاد والبنات
ما لهم قيمة عنده، حتى زوجة
أبوي تغيرت، صارت تفضل ولدها ونسيت
بنتها اللي ما صارت تشوفها إلا
نادراً، وكل الحمل رجع علي، أنا
اللي أحلب وأنظف وأطبخ، وأنا اللي
أهتم بالبنت وأنا اللي كنت أحبها،
كأني أمها. وتمر الأيام، يوم عن
يوم قلبي يكره كل شيء حولي.
كنت أقول: الله موجود ما يضيعني.
في يوم جاءت عجوز من ديره
ثانية تبي تخطبني لولدها. أنا فرحت
بس خفت، ما بغيت أفرح لا
يسمعون ويحطمون كل شيء مثل كل
مرة. وفعلاً ما كملت أسبوع، وجاني
مهري بقرتين، صندوق فيه مراية وحناء
وتمر وخيط وكحل، حتى جابوا لي
طاقية وكم صابونه. قالوا: هذا نصيبك
ومبروك يا عروسة. أخذوني بسيارة أنا
ومرت أبوي والعجوز، وودوني لبيت عند
رجال. كنت بس أتلفت، أنا وقتها
عمري 15 سنة، وهو شكله فوق
الـ30، ضخم. كنت مرعوبة ما كنت
أدري عن شيء لا عن الزواج
ولا عن الحياة. بس أول ليلة
لما مد يده على راسي وسمع
قصة عن الضـ'ـرب بكى وحظني قال:
من اليوم ما أحد راح يلمسك.
صحيت الصباح وأنا قمت كعادتي بدري،
حلبت المعز وسويت القهوة. جيت قلت
له: يا سيدي، قهوتك جاهزة. ضحك
وقال: سيدي من وين طلعت بهالكلمة؟
قلت: كده يقولون لنا ببيتنا. قال:
أنا زوجك مو سيدي، وأنا اللي
بخدمك مو أنت. كان رجال طيب
يصلي ويهتم. قال: ما أحب حليب
المعز، احنا نحلب البقر. سالني: تعرفين
تحلبين البقر؟ قلت له: عمري ما
قربت له. قال: ما عليك، أنا
أعلمك كل شيء. قال لي بعد:
أنا ما عندي حرمة تسرح بالغنم،
أنت مكانك بيتك. كنت أول مرة
أسمع أحد يقول لي: ارتاحي. بدأت
أعيش في بيتي الجديد، وربي كاتب
لي زوج طيب حنون يخاف الله.
حتى أبوه كان محترم وكلامه دائماً
يريحني. قال لي من أول يوم:
أنا اعتبرك بنتي، لا تشيلين هم
الاحترام بالكلمة الزينة مو بس بتقبيل
الراس. من ذاك اليوم عرفت إن
الدنيا لسه فيها ناس طيبين. بدأت
أرتب البيت، أنظف، أقدم الأكل للبقر
والغنم، كنت دائماً أشتغل وأنا مرتاحة،
لأول مرة أحس إن الشغل مو
إذلال، الشغل صار حياة. في يوم
شفت ولد صغير، عرفت إنه ولد
زوجي من حرمة سابقة، كان عمره
تقريباً أربع سنين، يشبهني يوم كنت
صغيرة. ضميته وبكيت، تمنيت أحد حضني
كذا وقت كنت بهالعمر. قلت لي
أبو زوجي: خليّه يعيش معي، أنا
أربيه. قال لي: خلاص، في النهار
بخليه عندك، وبالليل ينام عندي، ويا
فرحتي فيه. سويت له أكل، حممته
ولبسته، اعتبرته ولدي من قلبي. رجع
زوجي وشافه وابتسم ابتسامة من قلبه،
أبو زوجي قال: هذا الولد بيكون
فال خير عليكم. ومع الوقت صرت
أطلع معه وأساعده. أول مرة يقول
لي: ودي أخذك المدينة نشتري لك
ملابس جديدة وأشياء. فرحت بس خفت،
ما تعودت أن أروح المدينة. قال
لي: ما عليه، أنا وياك. ورحنا
ورحنا واشترى لي صابونة وشامبو وجلابية
ونعال. تصدقون أول مرة بحياتي أغسل
راسي بشامبو! كنت أحس إني أعيش
كحيوانة، بس أكل أكل وأنام، بس
الحين بدأت أحس بنفسي. مرت الأيام،
كنت حامل. كنت خايفة، قلت: لو
كانت بنت أكيد بيكرهها، أهم شيء
الخلقة التامة. ووقتها أبو زوجي صار
يشيل عني ويساعدني، يقول: بنتي لا
تتعبين، حالك الحمل ثقيل. لين جاء
وقت الولادة، جابوا لي داية بس
تعبت، وقالوا لازم مستشفى. ركبونا ونزلنا
للمدينة، وزوجي جنبي. تركت ولدي مع
الجارة، وقلبي معاه. وصلنا وسويت عملية
قيصرية وجبت بنت. كان عمري وقتها
17 سنة. واحنا راجعين زرت قبر
أمي، دعيت لها وخرجنا. رجعت بيتنا
لقيت خالة زوجي مرتبة كل شيء،
الأكل جاهز، الناس مجتمعين، بس أهلي
ما حد جاني، ولا أحد سأل.
سألت زوجي عن أبوي، قال: قابلته،
سأل عنك وبارك لك، بس ما
أدري صدق ولا بس يحاول يخليني
أنسى، بس كنت مقهورة، أهلي نسوني.
مرت الأيام، ماتت بنت أخوي بسبب
عقرب. رحت للعزا، شفت أختي الصغيرة،
قالت لي: رحتي ونسيتينا وتركتينا. قلت
لها: ما خليتكم، بس أنا ما
كان بيدي. قالت: يقولون عنك متهنية،
زوجك مدلعك. قلت: يا حبيبتي الديرة
كلهم يعرفون وش يعني متهنية، أما
أنا ******* أحلب، أطبخ، أنظف، وأربي،
ما حد داري عني. سمع زوجي
الكلام وزعل، قال لي: طيب أنا
وأبوي مين اللي فعلاً واقف معك؟
قلت له: أنا كذبت عليهم، خفت
مرة أبوي تسمع وتخرب بيتي. قال:
بس الله الحافظ. قولي الحمد لله.
رجعنا مثل أول، علمني كيف أزرع
الأرض. مرت الشهور، صرت أقوى. قلت
له: ولدي لازم يدخل مدرسة، ما
يصير يعيش مثلنا. قال: أنت أمه
وسوي اللي تبين. كلهم عيالك. ودخلته
المدرسة، وفي يوم سمعت صوت أبو
زوجي يصيح باسمي: يا حليمة تعالي!
انفجعت، أول مرة يناديني باسمي. لقيت
زوجي طايح وأبوه عند راسه. قال
لي: روحي نادي جارنا، جيبي السيارة.
ركضت وجبت السيارة. أخذوه قالوا: سكتة
قلبية. ما سمحوا لي أروح معه،
قالوا: اقعدي مع الأطفال وأبوه معاه.
رجعت البيت وأنا منهارة، أدخل وأطلع
أدور نفسي. مع الفجر، جاء الرجال
وقالوا لي: زوجك مات. وقفت الدنيا
في وجهي. أول مرة بحياتي أحس
إنه روحي طلعت من صدري. ست
سنين ما شفت منه إلا كل
خير. ليش راح؟ ليش كل أحد
أحبه يختفي؟ بعد العزا شفت الحريم
يتهامسون، كل واحدة تبغى زوجها يصير
وصي علي أنا وأولادي، بس أنا
ما كنت ناوية أتنازل. فتحت الزريبة،
جبت الغنم ووقفت عند مظلة أبو
زوجي وقلت: أنا اللي أربي غنمي
وأربي عيالي، واللي يقرب لبيتي والله
أوريه. مرت شهور، رجعت ولدي للمدرسة،
أنا اللي صرت أشتغل وأزرع وأبيع
وأحلب وأربي، وأبو زوجي صار يضعف
يقول: يدي تقطعت وظهري انكسر. أقول
له: عيالك قدامك، ولد ورا ولد.
قال لي: وش رأيك نقسم الورث
ونبني لك بيت؟ قلت: اللي أنت
تشوفه يا أبوي. وزع الورث 20
راس غنم وبيتنا صار حلالي أنا
وعيالي. ومرت الأيام، وقلت لأبو زوجي:
وش رأيك تتزوج، تشيل واحدة تحن
عليك. ضحك قال لي: من وين
لحرمة؟ قلت له: أنا بدور لك
وحدة طيبة. وفعلاً زوجته، وتحسنت حالته.
بس الحرمة صارت تدور وتفتش، تبغى
تعرف الرزق وينه. وكان يقول لي:
هذه زوجتي بس رزقي في يدك،
أنت بنتي، وإذا مت أنت اللي
تكملين المشوار. ومع الوقت، زوجته تفهمت،
وأنا وهي صرنا يد واحدة. صرنا
نشتغل، نزرع، نحلب ونكمل بيتنا، والناس
صارت تحترمني وتقول: هذه حليمة قدوة
للبنات. ولدي الكبير أحمد هو اللي
قال لي: يما احكي قصتك، خلي
الناس تعرف إنه الصبر مفتاح للفرج.
ودخلني محو الأمية تعلمت أقرأ وحفظت
سور من القرآن واليوم أنا ساكنة
ببيتي راسي مرفوع وربي ما نساني.
وولدي هو سندي. وبس، انتهت
قصتنا لليوم.