السلام عليكم، أنا مساعد الشراري، وكل
يوم راح أنزل لكم قصة منقولة
من متابعيني، لكن لا تنسون تصلون
على النبي وتتابعون حسابي وتشاركون القصة
مع أصحابكم. ونبدأ قصتنا لليوم؛ تقول
صاحبة القصة: أنا ولدت وعشت طفولتي
في حي شعبي عبارة عن بيوت
صفيح وحالة صعبة، بس كنا في

ذيك الأيام ما نحس بضيق العيش
كثر ما نحس بلمة الجيران. من
يوم وأنا صغيرة لاحظت أنه فيني
شيء غريب عن باقي البنات، عندي
إعاقة في رجلي واحدة أكثر من
الثانية، وهذا الشيء خلاني دايم ما
أقدر أشاركهم في كل ألعابهم، هم
ينقزون الحبل ويلعبون ويركضون، وأنا أجلس

فوق حجر أراقبهم وأضحك معاهم. كنت
أحس بنقص، بس أحاول ما أبينه
في وسط هاللعب والضجيج اللي في
الحارة. كانت لميا هي أقرب إنسانة
لي، لميا كانت جارتي بابنا ببابهم،
وولدنا مع بعض وكبرنا سوا. كانت
لميا هي الصديقة الصدوقة اللي ما
في يوم حسستني أنه رجلي فيها

بلا أو أني عاجزة. في المدرسة
كنت أتعرض للتنمر، هذه تناديني العرجاء
وهذه تسألني "وش جاك؟ طحتي وانت
صغيرة"، وكلام العجايز اللي في الحارة،
اللي ما يخلص. بس لميا كانت
هي السد المنيع تمشي معي رجلي
على رجلها وتدافع عني، وإذا ما
فهمت شيء في الدروس تقعد تشرح

لي، لأنها كانت ما شاء الله
ذكية ودافورة ودايم تطلع من الأوائل.
كنا نقضي يومنا كله مع بعض،
في العيد نذبـ،ـح سوا، وفي رمضان
نفطر ونلعب سوا، وصارت عائلتها وعائلتنا
كأنهم بيت واحد. لميا كانت دائماً
تقول لي: "يا فلانة، شدي حيلك
في الدراسة، هي سلاحك الوحيد عشان

تعيشين بكرامة وما تمدين يدك لأحد".
فكنا نذاكر لين الليل، رغم الحر
اللي يذبح في الصيف والبرد اللي
ينخر العظام في الشتاء وقلق القصدير
اللي يخر علينا مع المطر. مرت
السنين ووصلنا لمرحلة الثانوية وصار همنا
الوحيد هو المعدل العالي والقبول الجامعي.
لميا كانت حاطة عينها على الصيدلة،

وأنا كنت أحاول ألحقها، بس مستواي
كان عادي، يا دوب يمشي الحال.
في ذيك الفترة بدت الدولة تنفذ
قرار هدم الحي اللي إحنا فيه
عشان يطورونه. صار الحي عبارة عن
ركام، هدموا بيوت وبداوا مشروعهم، وصارت
الحارة عبارة عن غبار وصراصير وفيران
وأكوام تراب في كل مكان. الخبر

اللي نزل عليهم كان صاعقة، هو
يوم جاء الدور على بيت لميا،
الدولة أعطتهم تعويض سكن اقتصادي وشقة
في عمارة. وكان لازم ينقلون ذيك
الليلة، كانت من أصعب الليالي. قعدنا
نجمع معهم العفش في كراتين ونبكي...
لميا وأمها وأمي والكل كان متأثر،
لأنهم عاشوا في هذا الحي سنين،

تزوجوا، وولدوا. المهم  شلينا العفش
وودعناهم، ورحت معاهم لشقتهم الجديدة. تعشينا
وجلستنا بس وأنا راجعة لبيتنا اللي
كان لسه ما جا دوره في
الهدم. حسيت بكسر خاطر ما بعدها
كسر. الحي صار فاضي وموحش، وأعز
صديقة لي راحت بعيد. قعدت ذيك
الأيام أراقب هدم بيت لميا، ما

قدرت أتحمل المنظر، هربت وقعدت في
زاوية بعيدة أبكي وأرسم بالعود على
التراب بيوت، وأكتب اسم لميا وأحط
عليه قلب. كنت أحس أن طفولتي
قاعدة تنهدم مع ذيك الجدران الشعبية،
وبقيت أنا وعائلتي في آخر كم
بيت بالحي ننتظر المصير المجهول، والمسافة
بيني وبين لميا بدت تزيد. بس

كنا لسه نتواصل بالجوال بين فترة
وفترة. انتهت مرحلة الثانوية، لم ينقبلت
في كلية الصيدلة مثل ما تمنت،
وأنا للأسف ما جبت النسبة اللي
تدخلني صيدلة، فدخلت تخصص علم أحياء.
من هنا بدأت علاقتنا تبرد شوي،
لميا في عالمها الجديد وجامعتها الصعبة
وضغط المذاكرة. وأنا في كليتي البعيدة،

بعد فترة جاء الدور على بيتنا
وانتقلنا لشقة صغيرة ضيقة ما تشيلنا،
بس هذا المتاح. الصدمة الكبيرة كانت
يوم أخت لميا الكبيرة توظفت مهندسة
في مدينة ثانية وقررت تأخذ أهلها
كلهم معها. لميا راحت هناك وصارت
المسافة بعيدة بالحيل، ومع مشاغل الحياة
والبعد، انقطع التواصل تمامًا، لا جوال

ولا فيسبوك ولا شيء. مريت بحالة
نفسية سيئة، حسيت أني وحيدة في
مدينة غريبة علي، بدون الصديقة اللي
كانت تفهمني بنظرة عيني. تخرجت من
الجامعة بطلوع الروح، لأني كنت في
تخصص متعب وصعب، ومع إعاقتي كان
المشوار للجامعة هم ثاني. قعدت في
البيت أدور وظيفة، بس كل ما

قدمت على شيء أحسهم يطالعون في
رجلي وطريقة مشيتي ويصرفوني. قدمت على
التدريس وما انقبلت، رحت لشركات وسويت
مقابلات، وبالأخير يسحبوني علي. حسيت الدنيا
صكت في وجهي، صرت بس جالسة
بين أربع جدران. أتحسر على حالي
وعلى أيام الحارة القديمة. بعد تعب
ودوران، لقيت مركز تقوية، معهد دروس

خصوصية يبون مدرسة تدرس علوم وفيزياء
ورياضيات وأحياء للأعمار الصغيرة. وافقت فورًا
بدون تفكير. وأعطوني راتب 1500، بس
كنت أصرف نصها على المواصلات والتاكسي
والباصات عشان أوصل للمركز، والباقي يروح
لمصاريف البيت. أهلي كانوا ناس على
قد حالهم، أنا صرت المعيلة الوحيدة
بعد ما أبي تعب، وإخواني كل

واحد يلتهي بحياته. مرت خمس سنين
وأنا على هذا الحال، من البيت
للمركز ومن المركز للبيت، كرف وتعب
وشرح حصص، لين يروح صوتي وراتبي
يا دوب وصل إلى 2000. بعد
كل هالسنين، كنت أحس بمرارة أني
جامعية وعندي شهادة، وأخرتها هذا حالي.
بس كنت أقول الحمد لله. في

هالفترة، نويت أني أدور على لميا
مهما كلفني الأمر. الشوق لها ذبـ'ـحني
وكنت أريد أعرف ش صار عليها،
وهل لسه تذكرني أو نسيتني. بدأت
أدور في السوشيال ميديا، أكتب اسمها
بكل مكان، أبحث في حسابات جيراننا
القدامى، بس ما لقيت لها أثر.
سألت وحدة ورا وحدة لين طحت

في واحد من عيال حارتنا القديمة
اسمه ******* الجليل  سألت: "تكفي
ياعبد الجليل , ما تعرف طريق
لميا؟" قال لي: "أبشري، راح أسأل
عنها." وبعد يومين، جاني وقال لي:
"لميا صارت صيدلانية وفتحت صيدليتها الخاصة،
وأهلها ربي فتحها عليهم." أعطاني رقم
جوالها، ومن شفت الرقم قلبي قام

يدق  من الفرحة والخوف في
نفس الوقت. خفت أدق عليها وتفشلني
أو أحس أني قاعدة أثقل عليها
وهي الحين في منصب ومكانة اجتماعية،
وأنا لسه مدرسة خصوصية غلبانة. قعدت
أسبوع أقدم رجل وآخر رجل لين
قررت في يوم أرسل لها واتس.
كتبت لها: "السلام عليكم يا لميا،

معك فلانة جارتك وصديقتك القديمة، ما
أدري إذا تذكريني أو لا." ما
كملت دقيقتين إلا والجوال يدق، مكالمة
فيديو. رديت وأنا أرجف. أول ما
فتحت الكاميرا شفت لميا ما شاء
الله، تغيرت وزانت ووضحت النعمة عليها،
بس ضحكتها هي نفسها. أول ما
شافتني، صاحت: "يا فلانة، وينك فيه؟

والله ما نسيتك بس انقطعت السبل."
قعدنا نصيح في الجوال مثل الأطفال،
وأنا في نص المركز والطلاب يطالعون
فيني. لميا بدأت تسالني عن رجلي
وعن أهلي وعن حالي، وعلمتها بكل
اللي صار معي من يوم نقلها.
سألتني ش تسوين الحين، قلت لها:
"والله مدرسة خصوصية براتب 2000." انصدمت.

"حرام عليك، انت معك بيولوجيا وقاعدة
كذا؟" ذيك الليلة قضيناها سوالف لين
الفجر. رجعت لي الروح من جديد،
حسيت أن الدنيا لسه فيها خير.
لميا ما اكتفت بالسؤال، بدأت ترتب
لي موضوع يغير حياتي تمامًا بدون
ما تخليني أحس بالمنة. قالت لي:
"اسمعي، في دبلوم وتدريب للصيادلة، مساعد

صيدلي مدته ست شهور، هذا اللي
راح ينقذك من المركز اللي انت
فيه. سجلي فيه، وأنا بتكفل بكل
شيء." رفضت في البداية، قلت: "ما
أريد أكون عبء عليك يمين." وقالت:
"احنا خوات، ولو كنت مكاني سويتي
نفس الشيء." وبالفعل، سجلتني ودفعت لي
السكن والمصاريف وكل شيء لين خلصت

التدريب. بعد ما خلصت، لميا كلمت
صيدلية كبيرة وقريبة من بيتنا، توسطت
لي عندهم، والحمد لله توظفت براتب
5000 كبداية. بالنسبة لي، هالمبلغ كان
ثروة. صرت ألبس وأتكشخ واشترت لأهلي
أغراض وتحسن وضعنا، والمفاجأة أن الناس
اللي كانوا يشوفوني عرجاء وما يطالعون
فيني بدأوا الحين يخطبون. كان الراتب

والوظيفة غطوا على رجلي في عيونهم،
وهذا شيء كان يضحكني ويقهرني بنفس
الوقت. في الصيدلية، كنت أشتغل بضمير
وأحاول أثبت نفسي. لميا كانت دائماً
تواصلني وتزورني وصارت علاقتنا أقوى من
أول. وفي يوم جاء واحد مندوب
أدوية يوزع على الصيدليات، كان اسمه
إبراهيم. من أول مرة شافني فيها،

صار يطول في السوالف ويدور أي
عذر عشان يجي الصيدلية اللي أنا
فيها. إبراهيم كان محترم وخلوق، صار
بيننا إعجاب متبادل. وفي يوم قرر
يصارحني، وقال: "أنا أبيك شريكة حياتي،
وأبي أدخل البيت من بابه." أنا
فرحت، بس كنت خايفة من ردة
فعل أهله، خصوصًا أني أكبر منه

بسنتين وعندي مشكلة في رجلي. قلت
له: "شوف، روح استخير وشاور أهلك
قبل كل شيء." بعد كم يوم،
دخل إبراهيم الصيدلية ووجهه أصفر ومنخطف
لونه. سألته: "إيش فيك؟" قال لي:
"بضيق. كلمت أمي ورفضت تمامًا." سألته
عن السبب، قال: "بصدق جارح، تقول
إنك أكبر مني وفوق هذا انت

عرجاء." طبعًا أنا هنا انفجرت من
القهر، قلت له: "وجاي تقول هالكلام
بوجهي. لو فيك خير ما سمحت
لامك تقول كذا، ولا جيت تنقل
لي كلامها." طردته وقلت له: "لا
عاد توريني وجهك، وأنا عندي كرامة
ونفسي عزيزة ولا يمكن أفرض نفسي
على عائلة ما تبيني." قعد إبراهيم

يحاول يراضيني شهرين، يرسل لي رسائل
ويعتذر ويقول: "أنا اللي أتزوج مو
أمي، وأنا شاريك." بس أنا كنت
صامدة وقاسية معه، لأني ما أريد
أدخل حياة ناس يشوفوني ناقصة. لميا
كانت تتابع معي السالفة، تقول لي:
"اثقلي عليه. إذا يبيك صدق، بيسوي
المستحيل." وهذا اللي صار فعلاً، إبراهيم

ما استسلم. راح لأبوه وكلمه، وقعد
يحاول مع أمه لين لانت شوي
أو بالأصح وافقت بضغط من أبوه.
جاء وخطبني رسمي وتزوجنا وسكنا في
شقة لحالنا. أمه من يوم الخطوبة
لين تزوجنا، وهي ما تطيقني. حتى
في وجهي تناديني العرجاء وتقول للناس:
"ولد اتزوج واحدة أكبر منه ومريضة."

كنت أسمع وأطنش عشان خاطر إبراهيم،
لأنه كان شايلني على راسه ومعوضني
عن كل شيء. مرت على زواجي
وحملت، وبدأت أجهز لاستقبال مولودي الأول.
لميا كانت معي في كل خطوة،
تختار معي ملابس البيبي وتواسيني في
تعب الحمل. علاقتنا صارت مضرب مثل
في الوفاء. أمه كانت لسه تحاول

تنغص علي حياتي، بس كنت أرد
عليها بابتسامة وأبين لها أني سعيدة
ومرتاحه، وهذا كان أكثر شيء يقهرها.
قررت بيني وبين نفسي إذا جبت
بنت راح أسميها لميا، هذا أقل
شيء أقدمه للصديقة اللي وقفت معي
يوم الكل تخلى عني، الصديقة اللي
شافت فيني القوة والذكاء قبل ما

تشوف رجلي. إبراهيم وافق فورًا لأنه
يعرف معزّتها لميا عندي ويعرف ش
سوت عشاني. ولدت وجبت بنت زي
القمر، سميتها لميا. أول ما درت
صديقتي لميا بكت، قررت تسوي سابع
لبنتي. ما صار مثله، حلفت يمين
أنها هي اللي تتكفل بكل شيء
من الذبائح للحلويات للقاعه. وقالت: "هذه

بنتي، وأنا حرة فيها." وبالفعل سوت
لي حفلة أسطورية، عرضت فيها صورنا
وإحنا صغار في الحارة القديمة وصورنا
الحين. كان يوم فيه فرح ودموع،
وتجمعوا فيه كل جيراننا القدامى اللي
قدرنا نوصل لهم. أهلي كانوا فخورين
فيني، حتى أم إبراهيم لما شافت
العز والناس والتقدير اللي أنا فيه،

بدأت تستحي على وجهها شوي وتخفف
من كلامها السُم. في ذيك الليلة،
قعدت أنا ولميا نسولف، تذكرنا يوم
كنا جالسين فوق الحجر في حارتنا،
وتذكرنا بيوتنا وهي تنهدم وتهدم أحلامنا
معاها. ضحكنا على حالنا وكيف الدنيا
دارت. لميا كانت دائمًا تقول لي:
"الوفاء مو كلام. الوفاء فعل." وهي

أثبتت لي هذا الشيء في كل
مرحلة من حياتي. الحين أنا أعيش
في بيتي مع زوجي وبنتي، وعلاقتي
مع لميا صديقتي صارت أقوى من
أول. صرنا نطلع سوا، نتبادل الزيارات،
وعائلتي وعائلتها يتبادلون الزيارات. بنتي الحين
كبرت شوي، كل ما شفتها أذكر
أن الصداقه الحقيقية ممكن تغير مصير

إنسان كامل. أنا لسه أشتغل في
الصيدلية ومرتاحه في وظيفتي، ورجلي اللي
كانت عائق في يوم من الأيام
صارت الحين مجرد ذكرى. المرحلة صعبة
تجاوزتها، الدنيا لسه فيها خير والناس
الطيبة مثل لميا موجودين، بس يبي
لنا نصبر ونتمسك باللي يحبونا. بصدق
العبرة مو في البدايات الصعبة، العبرة

في الناس اللي يمسكون يدك ويطلعونك
من الحفرة لين توصل للقمة، والحمد
لله على كل حال. انتهت القصة.


مشاركة التدوينة