تقول صاحبة القصة: بعد طلاق أخوي
صارت الدنيا غير. أول كان شخص
طبيعي نضحك ونتمشى، نسولف ونفك الهم
عن بعض، بس بعد الطلاق حسيت
كان شيء انكسر فيه. مو بس
كسر، لا كأنه قرر ينتقم من
الحياة كلها. صار يشوفنا أنا وأخواتي
كأننا مشروع لازم يتحكم فيه. فجأة
بدأ يفرض علينا كيف نلبس، كيف
نتحرك، وش نقول، حتى وش نطبخ.
صار يدخل المطبخ وهو رافع صوته
يقول: "أنتم بنات، مكانكم هنا، لا
تسوون نفسكم متعلمات وفاهمات. خال عنكم
الخرابيط ذي." ولما نرد عليه يقول:
"أنا رجال ولازم تسمعون كلامي." أبوي
كان دائماً ضعيف قدامه، ما يتكلم
بس يهز راسه ويسكت، وكلنا نعرف
ليه، لأنه شايف رجال البيت بحكم
إنه هو الكبير. بس أنا ما
كنت أبي أعيش ذليلة في بيت
عايش على بقايا. صوت رجال مقهور
ومن هنا بدأت قصتي. أنا من
الناس اللي ما تحب تعيش دور
الضحية. أخوي من أول يوم حس
إنني ما أمشي على هواءه، صار
يهاجمني بالكلام قدام أبوي وقدام أمي.
ما عنده حدود. مرة قال لي:
"البنت اللي ترفع صوتها على رجال
ما تنفع لا للزواج ولا الحشيمة."
كنت أتحمل مو عشان خايفة، بس
عشان أمي كانت تقول "خليه هو
مجروح طلاقه هد حيلة." لكن أنا
أشوف شيء ثاني، أشوفه شخص مسترجلاً
علينا يبغى يثبت إنه قوي عن
طريق إذلال خواته. أختي الصغيرة ما
كانت تقدر حتى تطلع تشتري شيء
من البقالة إلا بإذنه. صار يحط
قوانين، وأبوي عايش كلها على البنات
ولا مرة نطق على أخوي ثاني
ولا تدخل بحياته. مثلنا : "قهرني
والله، حسيت إني لازم أتحرك قبل
ما يزيد الوضع أكثر." مرة من
المرات وأنا راجعة من الجامعة لقيته
جالس مع أبوي ينتظرني. قال لي
بصوت كذا قوي: "وش هاللبس؟ ش
الفائدة من الجامعة؟ أنت ش تبين
تصيرين؟" كنت اللي بهدوء: أريد أكون
إنسانة حرة، أفهم، أشتغل، أعيش. ضحك
بس ضحكة كذا غيثه: "قال الحريم
مكانهم المطبخ. شفنا اللي درسوا ش
سووا هنا." أبوي سكت ما قال
ولا كلمة، وأنا داخلي يغلي بس
مسكت أعصابي. دخلت غرفتي وبديت أكتب
كل شيء قاعد يصير عشان ما
أنسى، عشان لو قررت أتكلم أتكلم
وأنا عارفة كل شيء. وفي نفس
الليلة قعدت مع خواتي، قلت لهم:
"إما نوقف له سوا أو بنضيع
وحدة وحدة، وراح تصير حياتنا مأساة."
وكان هذا أول اجتماع مقاومة. خواتي
ما صدقوا أحد يتكلم، كل وحدة
منهم كانت تعاني بطريقتها. وحدة كانت
تبكي بعد كل الإهانة، وحدة تسكت،
وحدة تحط حرقتها بالأكل، وحدة كرهت
البيت وصارت تنام عند خالتي. بس
ولا وحدة تجرأت توقف قدامه. بس
يوم فتحت السالفة حسيت بنار طالعة
من صدورهم، كل وحدة تطلع همها
وجعها وخوفها. صار المجلس ثورة، كلنا
كنا مستعدين نوقف قدامه. قلت لهم:
"من اليوم ما حد فينا يستأذنه،
ولا نسمح له يقرر عنا. لو
ما وقفنا له الحين بيستقوي أكثر."
ومن هاللحظة بدأنا التخطيط كيف نعيش
بدون ما نحتاج نرجع له. بكل
تفصيلة كانت بداية الانقلاب الهادي. أول
خطة كانت إننا نقنع أبوي، ما
كان سهل، لأن أبوي دائماً شايف
إن أخوي هو السند. بعده قلت
له: "يا يبا، السند ما يكون
ظالم ولا يكسر خواته. هذا مو
رجال اللي يستقوي على بنات. هذا
******* باسم العادات." ما رد، بس
نظراته كانت توصل كأنه لأول مرة
يشوف. بدينا نكسر حاجز الموافقة. أختي
طلعت مع صديقتها بدون إذنه. أنا
غيرت تخصصي اللي هو اختاره لي
بدون ما أقول له. أختي الصغيرة
سجلت في دورة التصوير. كل هالخطوات
كانت صادمة له. كان ينهار شوي
شوي، جاني وقال لي: "ش قاعدين
تسوون؟ تبون تطلعوني برا البيت؟" قلت
له: "لا، بس نبغى نعيش برا
قوقعتك هنا." عرف إننا ما عاد
تحت سيطرته. من بعدها صار البيت
مشحون بس بطريقة غريبة. أخوي يحاول
يفرض سيطرته، يحلف، يهـ'ـدد، يصـ'ـرخ، بس
ما عاد أحد يسمع له. صار
صوته مثل طنين الذبان. مزعج بس
ما يضر. أمي كانت مترددة، هي
تحب أخوي بس قلبها معانا. وفي
لحظة صدق، قالت له: "وش اللي
صاير فيك؟ صرت تحكم وتنهي كأنك
ولي أمرنا. أنت أخوهم ترى مو
أبوهم." حاول يقلب الطاولة، قال إننا
ضده وإن البيت صار فوضى وأن
البيت كله صار نون النسوة وإن
الرجولة اندثرت. قلت له: "الرجولة ما
عمرها كانت سيطرة. الرجولة احترام. أنت
تفرضها وتفاهم مو غصب وقمع." من
بعدها صار يتجنبنا حس إننا ما
عاد نحتاجه وإن سلطته انكسرت. بس
ما كان عارف إن اللي انكسر
بيننا أكبر من كذا. مرة كنت
جالسة مع أختي فجأة قالت لي:
"تحسين إننا أول مرة نعيش صح؟"
قلت له: "أيه، لنا سنين لأننا
أول مرة ناخذ نفس بحريّة." صرنا
نرتب أشيائنا، نتناقش، نضحك، نخطط. خططنا
بدون رأي أخوي. رجعنا نحس إن
الحياة تمشي بدون ما أحد يوقفها.
بس أخوي ما استسلم، قام يشتكي
عند أبوي، قال إننا تمردنا وإن
البيت ما فيه رجال وإننا نحتاج
تأديب. أبوي قال له: "البنات أنا
واثق فيهم، كبروا وفهموا، وأنت اللي
لازم تعيد حساباتك. عمري ما شفت
بناتي غلطوا بشيء." أخوي وقتها انصدم،
يمكن لأول مرة يسمع موقف من
أبوي مو لصالحه. خالاتي وعماتي وحتى
الجيران بدأوا يشوفون التغير. صاروا يقولون:
"وش صار أخوكم؟" كأنه مو نفسه،
لأن أخوي صار يعصب على أي
شيء حتى برا البيت. كل شيء
يشوفه غلط، يشوف كل حرمة كأنها
تهـ'ـدده. وبدأ يتكلم عنّا برا، يحاول
يشوه صورتنا قدام عيال عمي وعيال
خالاتي. وإننا متمـ'ـردات وكذا. بس إحنا
كنا أقوى، ما عاد همنا كلام
الناس. أهم شيء إننا نعيش بكرامة،
وأبوي صار يشوف أكثر وأكبر. بدل
ما يدافع عنه، صار يطالع فيه
بطرف عين ويهـ'ـدده إذا جاب سيرتنا
قدام عيال عماتي أو أعماخي، ويقول
له: "يا ولدي، أنت ضيعت نفسك
بيدك. لا تضيع مستقبل خواتك." في
لحظة حسيت إن أخوي فعلاً بدأ
يتعب، صار ينعزل، ما يجلس معانا
كثير، دائماً في غرفته أو يطلع
بدون ما يقول وين. وأنا رغم
كل شيء كنت أتمنى يرجع، يرجع
طبيعي، يرجع لنا مثل أول. كنا
نضحك سوا، نخطط، نشتري بيت للعائلة،
كنا نحب بعض فعلاً. بس يمكن
الحياة ضربته بقوة. طريقة تعامله معانا
كانت انعكاس لقهره . هو هذا
الشيء مو مبرر، بس تفسير. في
ليلة دخل علي بصوت هادي قال:
"أنا آسف. ما كنت أشوف إني
غلطان، بس يمكن أنت صح. أنا
ضايع من بعد طلاقي أو بالأصح،
لأن زوجتي خلعتني." ناظرت وقلبي متلخبط،
بس قلت له: "نبيك تكون بخير
بس ما راح نرجع تحت سيطرتك
المزيفة مرة ثانية." بدأ يتغير شوي
شوي، مو بسرعة، بس الخطوات كانت
واضحة. صار يسمع، ما يهاجم، صار
يسأل، ما يفرض، صار يتكلم معانا
مو عنا. رجع جلس مع أبوي،
قال له: "أنا غلطت كثير، بس
أبي أرجع أخوهم مو وصي عليهم
." وحنا أعطيناه فرصة مو لأنه
يستاهلها، فوراً، بس لأننا نبي نرتاح
ونبي نعيش في بيت ما فيه
حقـ'ـد ولا سلـ'ـطة. الحياة رجعت تنبض،
وأخوي رجع يتعلم كيف يكون أخ
مو حاكم. مرت الأيام، صار الجو
في البيت أخف. مو مثالي، بس
على الأقل ما فيه توتر. أخوي
بدأ يتعود على الوضع الجديد، بس
كل شوي يرجع له طبيعه القديم،
مثل اللي ******* من أي قرار
ناخذه بدون ما نسأله. مرة أختي
قررت تكمل دراستها، قام قال: "ليش
ما حد استشارني؟" قلت له: "من
متى كنا نحتاج توقيعك؟ هي حياتها
وتقرر لحالها دام ما بتسوي شيء
غلط." سكت بس واضح عليه إنه
مو عاجبه. حسيت وقته إنه ما
يبينا ننجح إلا هو اللي مرتب
لنا كل شيء ومتحـ'ـكم بكل تفصيلة.
بس أختي ما وقفت، قدمت وسجلت
وجت لها الموافقة، وانقلب وجهه، بس
ما قال شيء. والشيء الغريب، أمي
كانت تساندها وهذا اللي خلاه هو
يتراجع شوي. جلسنا على طاولة العشاء
لأول مرة من زمان، بدون ما
أحد يصـ'ـرخ أو يحرج أحد. أخوي
فتح موضوع زواجه القديم لأول مرة
وقال: "هي اللي خربتني. لو ما
خربتني ما تغيرت عليكم." قلت له:
"اللي يخربك ما يعطيك العذر، تخرب
غيرك." الرد بعصبية: "يعني أنا شيطان
وأنتم ملائكة؟" أمي دخلت وقالت: "لا،
أنت شيطان ولا نحن ملائكة، بس
لازم تتعالج من أشياء داخلك قبل
لا تجرح الناس بلسانك." كان كلامها
زي الصفعة، بس من أم مو
من خصم. سكت وقام من السفرة
بدون ما يكمل أكله. كان واضح
إنه بدأ يواجه نفسه، مو بس
يواجهنا. بدأ يخفف من تواصله مع
الناس اللي يشجعونا على التسلط. صرنا
نلاحظ إنه كلامه صار أهدأ. بس
مع كذا ما كنا نحاول نغفر
له بس ما ننسى، لأنه الجرح
مو بسيط. كلنا مرينا بفترة سواد
بسببه. كل وحدة فينا تأذت بطريقة
مختلفة. ومع كذا بدأنا نبني علاقة
جديدة معه. مو لأنه فرضها، لكن
لأنه بدأ يحاول يكون شخص يستاهل.
أبوي جلس معه وكان في حديث
طويل بينهم. ما حد سمع وش
صار، بس أبوي طلع من الغرفة
وهو ساكت، قال لنا: "أعطوه فرصة
بس لا تعطونه قلوبكم مرة واحدة."
أنا فهمت أبوي، شايف إنه أخوي
نادم، بس ما يبي نكون ضـ'ـحية
لنفس الدوامة من جديد. أخوي حاول
يفتح صفحة جديدة، وصار يشاركنا في
الطلعات. يحاول يكون أخ مو ولي
الأمر. حتى إنه جلس مع أختي
وقال لها: "أنا غلطت بس فخور
إنك كملتي دراستك." بكت أختي، قالت
له: "توني أسمع كلمة حلوة منك
من سنين طويلة." كانت لحظة مؤثرة،
بس كلنا كنا نمشي على أطراف
أصابعنا. لأن أي خطأ بسيط ممكن
يرجعنا للبداية. بدأنا نرجع نثق فيه
شوي شوي، خصوصاً لما بدأ يدافع
عن أختي قدام الناس. رجع الضحك
لبيتنا، رجعت السوالف على الفطور، والحب
الأخوي اللي غاب بسبب التسلـ'ـط. رجعنا
نحتفل بأشياء صغيرة، أعياد ميلاد، نجاح
أختي، حتى أطباق جديدة تسويها أمي.
كنا نحس إنه العائلة رجعت، بس
بشكل أنضج . رجعنا نعيش، نخطط،
ونضحك، ونحب أخونا مو نكرهه. وصارت
علاقتنا أقوى لأنه عرف بحدوده وحنا
عرفنا شو نستاهل. اليوم نعيش حياة
صحية أكثر، عائلة تحترم بعضها، كل
واحد له رأيه، ومو مجبور يبرر
وجوده. وأخوي صار سند، وهذا أكبر
انتصار حققناه بعد سنين من الصمت
والمساواة على راحتنا. مرت فترة بسيطة
وبدينا نحس إنه التغير اللي فيه
مو بس مؤقت. صار يشتغل على
نفسه، حتى في تعامله مع الناس.
صارت علاقته فينا حقيقية، فيها نقاش
وفيها احترام. حتى إذا ما اقتنع
ما يفرض، بس يقول: "أنا رأيي
كذا، بس القرار لكم." هالشيء أعطانا
أمان، ولأول مرة حسينا إنه لنا
قيمة وإنه يشوفنا مو بس يسمعنا.
وهذا أخوي اللي كنا مقاطعينه صار
هو اللي يلمنا من جديد. قصة
أخونا علمتنا إنه التحكم مو حب،
والقسوة مو رجولة. ومن يومها ما
صرنا نخاف من المواجهة، لأننا نعرف
إنه أقسى وجع ممكن يصير أجمل
درس. وفي النهاية القصة مو بس
عن أخو متسلـ'ـط، القصة عن كيف
الشخص ممكن يتغير إذا قرر يواجه
نفسه، وكيف العائلة تقدر تقوم حتى
بعد ما تتكسر. لا تسمح لأحد
يكسر شخصيتك، ولا تسكت عن الظلم.
بس لا تنسى المغفرة قوة، والتغير
يحتاج شجاعة. وانتهت القصة.