السلام عليكم أنا مساعد الشراري ،
وكل يوم راح أنزل لكم قصة
منقولة من متابعيني لكن لا تنسون
تصلون على النبي وتتابعون حسابي وتشاركون
القصة مع أصحابكم ونبدأ قصتنا لليوم؛
تقول صاحبة القصة: أنا مرام وبقول
لكم سالفتي اللي خلّتني اليوم إنسانة
ثانية، إنسانة باردة من جهة أهله
وما عاد يرف لها جفن تجاههم.
خلوني أرجع معكم لورا شوي، لأيام
الطفولة والابتدائي. كنت بنت عادية جداً،
متربية في بيت محافظ، أبوي كان
شديد، أمي كانت من النوع اللي
يهمها كلام الناس والسمعة قبل كل
شيء. كبرت وأنا أحس إنه الغلط
عندنا يعني نهاية العالم، فكنت دائماً
أمشي جنب الحائط، لا مشاكل ولا
طلعات ولا دخلات تثير الشك. علاقتي
بأهالي كانت رسمية نوعاً ما في
احترام بس ما في ذيك الميانه
اللي تخليك تفتحين قلبك لأمك أو
أبوك وأنت مرتاحة. دخلت المتوسط وهناك
بدأت تتشكل شخصيتي أكثر وبدأت أتعرف
على بنات وصديقات. كانت ذيك الفترة
هي فترة التأسيس للصداقة اللي بتدمر
حياتي بعدين. كنت أحب الجامعات والضحك
بس بحدود البيت والمدرسة، أهالي كانوا
يشوفوني البنت المطيعة وكنت فعلاً كذا،
ما عندي لف ولا دوران ولا
كان ببالي أصلاً إنه الدنيا فيها
خبث لدرجة إنه ناس ممكن يتبلون
عليك عشان يغطون على بلاوي عيالهم.
مرت سنين المدرسة بهدوء، كبرت وصرت
بالثانوي وهنا بدأت علاقتي بصديقتي فلانة
اللي هي محور السالفة. فتقوى أكثر،
كانت تدخل بيتنا وتعرف أهلي، وأنا
نفس الشيء دخلت بيتها وصرت وحدة
من العائلة عندهم. لما دخلنا الثانوي
بدأت التغيرات تظهر على صديقتي هذه،
أنا كنت لسه على طبعي أخلص
مدرستي وأرجع لبيتنا في الوقت المحدد.
حياتي روتينية ومنظمة، هي بدأت تتغير،
صارت تهتم بأشياء ثانية، بدأت تتمرد
شوي شوي، لاحظت عليها إنها بدأت
تميل للطلعات والروحات اللي ما أعرف
عنها شيء بس بحكم إنها صديقتي،
الصدوقة كنت أصدق عذر تقوله لي.
كانت تحب واحد وهالشيء عرفته منها
بعدين، صارت تطلع معاه، وكنت أنا
أشوفها وأسكت، مالي دخل فيها، مالي
دخل في خصوصياتها. بس اللي كان
يغبن إنه كانت تطلع وأنا أرجع
للبيت لحالي بالباص. المشكلة بدأت لمن
أمها بدأت تلاحظ غيابها أو تأخرها،
أمها كانت تجيني البيت دائماً وتسألني
قدام أهلي: "مرام، ليش بنتي ما
تجي معك بنفس الوقت اللي ترجعين
فيه؟" أنا كنت أنحرج، ما أبغى
أفتن عليها ولا أبغى أكذب على
أهلها ولا على أهلي، كنت أكتفي
بكلمة "ما أدري، والله ما أدري
يا خالة" وأصرف الموضوع، وأنا قلبي
يدق خوف عليها بنفس الوقت استغراب
من وضعها. كنت أحاول أنصحها بيني
وبينها، أقول لها: "يا بنت الحلال،
انتبهي لنفسك"، بس ما كنت أتصور
أبداً إنه هذه البنت وامها بيجي
يوم يقلبون الطاولة فوق راسي ويمسحون
سمـعتي بالأرض عشان يبررون ضياع بنتهم.
استمر الوضع فترة وأنا على نيتي
أحاول أستر على صديقتي وأقول يمكن
طيش وبكرة تعقل. ما كنت أدري
إنه السوس ينخر في علاقتنا من
تحت لتحت. في يوم هدوء بيتنا
انكسر بصـ'ـرخة ما أنساها ودق على
الباب ما أقدر أتخطاها. أم صديقتي
هذه جت بيتنا ودخلت وهي صارخة
بأعلى صوتها وتدق الباب كأنها تبي
تكسره. وجهها كان محتقن وعيونها فيها
شر ما شفته من قبل. أبوي
وأمي طلعوا مخترعين من المجلس، أنا
وقفت عند الباب مذهولة ما أدري
وش السالفة. بدأت تفتح فمها وتكب
العفش بس مو عفش بنتها، لا
والله، بدأت ترمي بلاوي بنتها علي،
أنا صارت تصـ'ـرخ قدام أبوي وأمي
وتقول: "بنتكم بنتكم هي اللي خربت
بنتي! بنتي كانت غافلة وبنتكم هي
اللي جرتها لطريق الضياع، بنتكم ما
تعجبها عيشتها وتبي تطبّح بنتي في
مصايب وسوالف عشان تصير مثلها". أنا
هنا جمدت في مكاني، أحس الأكسجين
انقطع عني، كنت أسمعها وهي تحكي
قصص ومواقف ما لها أساس من
الصحة وتقلب الحقائق وتخلي طلعات بنتها
مع خويه وكأنها كانت بتدبير مني.
أنا الصدمة الأكبر مو من الغريبة
ولا كانت في كلامها، الصدمة كانت
في ردة فعل أهلي. أبوي اللي
كنت أحسبه وأمي اللي تعرف تربيتي
وقفوا معاها من أول لحظة وبدأوا
يطالعون فيني بنظرات شك وكره، وكان
كلام الحرمة هذه قرآن منزل أبوي
من كثر ما هو مصدقها، صار
يعتذر منها ويقول لها: "حقك علينا"،
وأنا واقفة بينهم كأني مجرمة في
قفص الاتهام ولا أحد أعطاني فرصة
أنطق بكلمة واحدة أدافع فيها عن
نفسي. بعد ما طلعت أم صديقتي
بدأت المحاكمة الظالمة. الكلام اللي سمعته
من أبوي وأمي كان أوجع من
اتهامات الغريب ، بدل ما يسألوني
أو يطلبون مني دليل، صاروا يعاملوني
كأني عـ'ـار وفضـ'ـيحة تمشي على الأرض.
في ذيك اللحظة، من كثر الضغط
والقهر ومن قوة الصدمة اللي خلت
قلبي يرجف، حسيت إني ما عاد
أقدر أتحمل، كنت بموت نفسي من
جد، القهر ذبحني. ما لقيت قدامي
إلا علبة الحبوب، أكلت جرعة زايدة.
كنت أريد أغيب عن هالواقع، أريد
أسكت الأصوات اللي في راسي وافتك
من نظراتهم اللي كانت تذبحني كل
ثانية. أغمى علي ونقلوني للمستشفى، وفي
الوقت اللي كنت فيه بين الحياة
والموت، أبوي بدل ما يراجع ضميره،
راح يبحث ورائي بزيادة بس بطريقة
بشعة. اتصل على راعي الباص اللي
كان يوصلني أنا وصديقتي للمدرسة وسألوه
سؤال: "يا أبو فلان، أنت بنتي
ما شفت عليها حركات وسـ'ـخة أو
سمعت لها صوت وهي تكلم شباب؟"
كان يبي يمسك عليه غلطة بأي
ثمن عشان يبرر موقف أم صديقتي.
رد عليه راعي الباص، الله يجزاه
خير، وبكل صراحة قال له: "يا
عم، بنتك والله ما عليها كلام
ولا أسمع لها صوت، دايم ساكته
وفي حالها. بس البنت الثانية اللي
معها، صديقتها هي اللي أشوفها تركب
كل يوم مع سيارة ثانية غير
الباص". هنا طلعت الحقيقة، راعي الباص
شهد بالحق وفـ'ـضح البنت اللي كانت
أمها تتبلى عليه. أبوي سمع هالكلام
وعرف إنه ظلمني وعرف إنه بنته
اللي كان يبي يدفنها وهي حية
هي اللي كانت المستورة والمظلومة، وراعي
الباص تبرع وقال: "أنا راح أروح
معك وراح أشهد". وأبوي أخذ راعي
الباص وراح أبو صديقتي وأم صديقتي
وعرفوا الناس كلها بالسالفة، بس وش
الفايدة! الحقيقة جت بعد ما انكسر
في داخلي شيء مستحيل يتصلح. من
هذيك اللحظة قررت إنه انتهى، انتهى
علاقتي بأهلي، صرت أشوفهم أشخاص عاديين
يشاركوني السكن، لا حب، لا شعور
ولا حتى عتب. صرت أكره وجودي
بينهم وأتمنى اللحظة اللي أبعد فيها
عنهم للأبد. بعد ما طلعت من
المستشفى ورجعت للبيت، ما رجعت مرام
القديمة، رجعت واحدة ثانية، جسد يمشي
وروح غادرة. المكان، الحقيقة اللي قالها
راعي الباص كانت مثل الصفعة على
وجه أبوي وأمي، بس هالصفعة ما
صحتهم بالطريقة اللي تخليهم يضـ'ـموني ويعتذرون
مني. بالعكس، أبوي صار يمر من
جنبي ما يقدر يحط عينه في
عيني، أمي تحاول تفتح مواضيع عادية
وكأنه شيئاً لم يكن، وهذا بحد
ذاته كان قمة الألم. كيف تظلموني
وتوصلوني للموت ولما تظهر براءتي تتعاملون
مع الموضوع كأنه سوء تفاهم بسيط.
بدأت مرحلة التعايش الإجباري، صرت أقوم
من نومي، ألبس، أكل لقمة تسد
جوعي وأرجع لغرفتي. الغرفة صارت هي
وطني، هي المكان الوحيد اللي ما
أحس فيه بالتهديد. لما نجلس على
السفرة كان الصمت هو سيد الموقف،
أسمعهم يسولفون ويضحكون وأنا أطالع فيهم
وأتساءل: هل هذول فعلاً أهلي؟ هل
هذول الناس اللي كانوا المفروض يحموني
من غدر الغريب؟ صار وجودي بينهم
ثقيل، صرت أكره اللحظة اللي يجمعنا
فيها سقف واحد. المشاعر اللي كانت
جواي تجاههم تبخرت، ما عاد في
حب ولا عاد في خوف من
زعلهم، ولا عاد في رغبة في
رضاهم، صرت أشوفهم غرباء يسكنون معي
وبدأت أبني جدار عازل بيني وبينهم،
جدار لا اعتذار يقدر يهدمه ولا
ندم يقدر يتجاوزه. مرت الشهور والمواقف
بدأت تثبت لي إن اللي انكسر
فعلاً ما يتصلح. كنت أشوف أمي
أحياناً تحاول تقرب مني، تسألني عن
دراستي أو تبي تسولف، كنت أرد
بكلمة ورد غطاها: "الحمد لله، تمام،
ماشي الحال!" ما كنت أبغى أعطيهم
فرصة يرجعون يكسروني مرة ثانية. كنت
أحس إن قلبي صار مثل الحجر،
لا كلمة حلوة تؤثر فيني ولا
دمعة من أمي تحرك فيني. ساكن
الصدمة اللي أكلتها منهم كانت أكبر
من قدرتي على الاستيعاب. صرت أذكر
كيف وقفوا مع أم صديقتي ضدي
وكيف صدقوا والغريب وكذبوا بنتهم اللي
ما شافوا منها إلا كل خير.
هذا البرود صار هو درعي، كنت
أشوف صديقاتي يتكلمون عن أمهاتهم وعلاقتهم
بأهلهم وأبتسم بسخرية في قلبي. صرت
أحس إني كبرت في السن 20
سنة فوق عمري. كنت أطالع في
المراية وأقول لنفسي: "يا مرام، أنت
لحالك في هالدنيا، لا سند ولا
ظهر. حتى وجودي في المناسبات العائلية
صار تأدية واجب بس عشان الناس
ما تتكلم. بس داخلياً كنت غايبة
تماماً. صرت أخطط لمستقبلي بعيد عنهم.
كنت أفكر كيف أستقل، كيف أهرب
من هالنظرات اللي تذكرني بليلة الظلم.
القصة ما انتهت عن ظهور الحقيقة،
القصة انتهت لما انفقدت الأمان في
بيتي. صرت أتساءل بيني وبين نفسي،
الوجع ينهش في صدري: إذا كانوا
هم أهلي وعزوتي وسندي وسووا فيني
كذا، أجل وش أرتجي من الغريب؟
أبوي صار يحاول يفتح معي مواضيع
تافهة، يسألني: "تبين شيء من السوق؟
أو تحتاجين فلوس؟" كان يحاول، حاول
يشتري رضاي بالماديات لأنه ما يملك
الجرأة يواجهني باعتذار صريح. كنت أخذ
اللي يعطيني إياه وأنا ساكته. كنت
أحس إنه كل ريال يعطيني
إياه، هو محاولة رخيصة لترميم جبل
مهدوم. أمي من جهة ثانية بدأت
تلعب دور الضحية، أحياناً تقول لي:
"يا مرام، خلاص اللي صار صار،
إحنا كنا خايفين عليك." كنت أطالع
فيها وأنا ودي أصرخ: "خايفين علي
لدرجة إنكم وقفتوا مع الغريبة وما
صدقتوني!" بس الصمت كان سلاحي. كنت
أدخل المطبخ أسوي قهوتي وأرجع لغرفتي
بدون ما أقول ولا حرف. صار
البيت عبارة عن فندق بالنسبة لي،
أنام، آكل، وأدرس وبس. حتى الضحكة
اللي كانت تطلع مني قبل صارت
باهتة ومصطنعة بس عشان أمشي أموري.
طبعاً ذيك البنت وأمها اختفوا من
حياتنا تماماً بعد الفضيـ'ـحة اللي صارت،
بس أثرهم ظل محبور في كل
ركن في بيتنا. كل ما ناظرت
باب بيتنا أذكر دخول أمها، وكل
ما ركبت سيارة أذكر كلام راعي
الباص وتشكيك أبوي فيّ. صرت أخاف
من الصداقات، وأي بنت تحاول تقرب
مني كنت أحط بيني وبينها ألف
حاجز. كنت أقول لنفسي: إذا أهلي
اللي من دمي صدقوا فيني السوء،
وش بيسوون الغرب؟ هالتفكير خلاني أنطوي
على نفسي أكثر وصرت إنسانة وحيدة
بقرار مني. في يوم حاولت واحدة
من خالاتي تصلح بيني وبين أمي،
قالت لي: "أمك تعبانة ونفسيتها تعبانة
من جفاك." رديت عليها وقلت: "نفسيتها
تعبانة لأنها عرفت الحقيقة، بس يوم
كنت أنا المظلومة وباكل الحبوب عشان
أموت ما حد اهتم لنفسيتي." من
وقتها عرفوا كلهم إنه مرام فعلاً
ماتت في ذيك الليلة اللي أكلت
فيها الحبوب. أنا صرت إنسانة جديدة،
خلاص شغلي أهم بمستقبلي بس قلبي
مقفول. أشوف أهلي في المناسبات يسولفون
ويضحكون وأنا طالع فيهم كأني أشوف
ناس غرب، ما لي علاقة فيهم.
الشعور بالانتماء لهذا البيت انتهى، وصرت
أعد الأيام والساعات بس عشان أدرس
وأتخرج وأتزوج وأترك هذا المكان. كانت
نظرات العتب اللي أشوفها في عيونهم
والندم المتأخر اللي ما عاد يسمن
ولا يغني من جوع. صرت إنسانة
روبوتية، أقوم بواجباتي إذا طلبوا مني
شيء سويته ببرود، بس ما في
أي تواصل روحي. صرت أحس بغثيان
وضيق في صدري لما نجتمع في
مكان واحد، صرت أكره نبرة صوت
أبوي لمن يحاول يلطف الجو، وأكره
محاولات أمي إنها تسوي لي الأكل
اللي أحبه عشان ترضيني. هذا الكره
اللي تولد تجاه وجودي بينهم صار
يخليني أتفادى حتى المرور من الصالة
إذا كانوا موجودين. صرت أنتظرهم ينامون
عشان أطلع للمطبخ أو أجلس في
البيت براحتي. صرت أحس بظلم جديد
لأني مجبورة أعيش مع ناس جرحوني
جرح ما يبرى. صار كل شيء
يسوونه وينفهم عندي غلط، اعتذارهم أشوفه
ضعف، سكوتهم أشوفه هروب، محاولاتهم للتقرب
مني أشوفها تمثيل. أنا الحين في
مرحلة ما عاد يفرق معي لو
اعتذروا ليل نهار، لأن الصورة اللي
انطبعت في بالي وأنا طايحة بالمستشفى
بسببهم كانت هي الصورة الحقيقية لهم
في قلبي. الحين أنا هذه حالتي
اللي وصلت لها، عايشة مع أهلي
كأني ضيفة أو شخص غريب يمر
من جنبهم. صرت أشوفهم أشخاص عاديين
ما يربطني فيهم الاسم ودفتر العائلة.
المشكلة مو فيهم هم بس، المشكلة
فيني أنا. صرت أحس بتأنيب ضمير
غريب يجي ويروح. هل أنا قاسية؟
هل أنا زودتها؟ بس بسرعه أذكر
ديك الليلة وأتذكر كيف أمي وأبوي
وقفوا مع الحرمة اللي تبلت علي
وكيف كان أبوي يشك فيني ويدور
وراي عند الأغراض، ويرجع قلبي يكسى
أكثر من أول. كل يوم أسأل
نفسي وأنا أطالع في السقف قبل
ما أنام: "لين متى بتم كذا؟"
هذا الكره صار ياكل من روحي
قبل ما ياكل منهم. وجودي بينهم
صار عبأ قلبي. صرت أتمنى بس
الخلاص، بس السؤال اللي فعلاً يكسرني
وما لقيت له إجابة، ويخليني في
صلاة دائمة بين كرامتي المجروحة وبين
صلة الرحم اللي انفرضت علي بعد
كل هالغدر والخذلان من أقرب الناس.
كيف أقدر أسامح أهلي وكيف أقدر
أشيل هذا الكره من قلبي وأرجع
أحس بوجودي بينهم كبنتهم مو كغريبة؟
منتقمة ببرودها. انتهت