السلام عليكم، أنا مساعد الشراري، وكل
يوم راح أنزل لكم قصة منقولة
من متابعيني، لكن لا تنسون تصلون
على النبي وتتابعون حسابي وتشاركون القصة
مع أصحابكم. ونبدأ قصتنا لليوم. قصتنا
اليوم غير عن بنت شافوها ضعيفة،
بس الله كتب لها تكون أقوى
من كثير الرجال. ولو حسيتي في
يوم أنك لحالك أو الدنيا قفلت
بوجهك، خلي قلبك يقرأ هالقصة، يمكن
تلقي فيها شيء يشبهك. تقول صاحبة
القصة: أنا اسمي نورة من الجنوب،
تربيت في بيت طيني سقفوا جريد
نخل، وأصوات المطر إذا نزلت علينا
كأنها تقول ترى في أمل ينبت
من التراب. من وأنا صغيرة كنت
أشوف أمي تطبخ على الحطب وتحلب
الغنم وتغسل بيدها في الجال، ومع
هذا دائماً تبتسم وتقول اللي يرضى
الله يرضيه. أبوي كان عصبي جاف
ما يحب الكلام الكثير، يشتغل حارس
في مدرسة ابتدائية وراتبه على قدّه.
كان يؤمن أن البنت مكانها البيت
ولا يحب يسمع كلمة جامعة ولا
حتى وظيفة، يقول: "شتبغى البنت تسوي
في الدنيا؟ تتزوج وتسكت." بس قلبي
كان يحترق، كنت أحب الدراسة، أحب
أقعد على الدكة في ساحة المدرسة
وأكتب أبيات شعر. وأخواتي كنت دائماً
أقول في قلبي: "أنا ما أبغى
أكون قصة حزينة تمشي على رجولها،
أنا أبغى أكون معجزة صغيرة من
هالقريه تبهر العالم." لكن الواقع ما
كان بسيط. في ثالث ثانوي تقدم
لي قريب لنا أرمل عمره 34
سنة ومعاه ولدين. أبوي قال: "عادي،
بنتي تعقل وتربي عيال رجال، مات
وهو راضي عنها." أنا قلت له
بكيت وترجيت، قلت: "أنا أريد أكمل
دراستي، الله يخليك بس أنا واحدة."
وتخرجت، لكن أبوي **قال لي: "تعارضيني؟
أنا أدري بمصلحتك."** وانكتب عقدي وتزوجته.
عشت معاه سنتين ما فيها أي
شيء من الحياة، كنت أطبخ وأنظف
وأذاكر لعيال ما هم عيالي، وهو
ما يشوفني إلا اله حسبي
الله عليه.** وامه تعاملني كأني نازلة
من جبل. وبعد سنتين طلقني بدون
سبب، وقال: "أنا ما أحس بشي
لك." وأبوي ما قال شيئاً، بس
سحبني البيت كأني علبة نيدو فارغة.
رجعت وأنا مطلقة عمري 21 ولا
شهادة ولا دخل ولا أي شيء،
بس كنت حية، أيوه كنت حية،
وأحس النبض فيني يقول: "انفض غبارهم
وقومي." دخلت دورات عن بعد بدون
ما يدري أبوي، كنت أجمع مصروفي
من الحريم اللي أساعدهم بالخياطة أو
الطبخ وأسجل في مواقع تعليمية، وصار
عندي ملف بي دي إف اسمه
نورة. جمعت فيه كل شيء تعلمته
من تسويق إلكتروني لتصميم لتحرير نصوص.
كنت أجلس الليل كله أشتغل، والنهار
أساعد أمي في البيت، ما كنت
أعرف متى بيصير في تغيير، بس
كنت أؤمن أنه الله يشوفني. وفي
يوم، جاني اتصال من واحدة ساكنة
في أبها اسمها نوال، قالت: "أنا
شفت تغريداتك وشغلك ممتاز، تبغين نفتح
مشروع سوا؟" قلت: "أنا ما عندي
رأس مال." قالت: "أنا عندي، وانت
عندك المهارة. خلي الربح بالنص." فتحنا
أول محل نسائي صغير اسمه "سكون".
اشتغلت على كل شيء: التصميم، الحساب،
الطلبات، حتى الرد على العميلات. وشوي
شوي كبرنا، صارت طلباتنا توصل للرياض
وجدة والشرقية وكل مكان. بدأت أعرف
قيمة نفسي لأول مرة بحياتي. ما
حد يعطيني إذن، أنا أقرر، أنا
أتحمل، وأنا أفرح. وبعد ثلاث سنوات،
جاء وقت الحلم اللي دفنوه فيني
من أول. دخلت الجامعة، أيوه، دخلت
جامعة عن بعد قسم إعلام رقمي
وأنا أشتغل وعمري 27 سنة. وأبوي
ما قال شيء، بس بدأ يغير
طريقته وبدا يشوفني إنسانة تعرف مش
تمشي بأوامره. وفي آخر سنة دراسة،
توفت أمي. ما راح أنسى يومها،
كنت حاطة شهادة حضور لي على
الثلاجة، وهي شافتها وابتسمت، وقالت: "يا
رب لك الحمد، بنتي ما طاحت."
دفنتها وأنا قلبي طايح، لكن دموعها
وهي تدعي ليلة وفاتها كانت أكبر
عزالي. مرت سنتين واليوم أنا مديرة
متجر إلكتروني يضم 15 بنت، وكل
شهر أخصص راتب لوحدة مطلقة أو
معيلة أو بنت مقطوعة، أقول لها
مو بس أنت تستحقين فرصة، إحنا
كلنا نستحقها. واللي مضى ما كان
هدر. أبوي الحين يقعد يحكي للضيوف
عني، يقول: "بنتي طلعت رجال البيت."
جيراني صاروا يوصون بناتهم ياخذون استشارات
مني. أنا أقعد آخر الليل وأقرأ
في المصحف، وأقول: "يا رب كل
خطوة مشيتها لحالي، كنت ماشي فيها
معاي أنا نورة." قلت: مطلقة، قلت:
بنت فقيرة، قلت: لا تكملي جامعة،
بس أنا قلت: ما بيني وبين
الله عمر، وإن خلاني الناس، هو
ما يخليني. والعمر اللي بنيته كان
بالدعاء، بالدموع، وبالإصرار اللي ما ينهزم.
واليوم أقول لكل بنت شبهني: إذا
مشيتي في ظلام، لا تنتظرين أحد
يمسك يدك، ارفعيها للسماء، النور دائماً
يجي من فوق. وبكذا تكون قصة
نورة انتهت. نورة ما انتظرت أحد
يجي يغير حياتها، هي قامت وغيرتها
بنفسها. تعبت وانتهت وقامت من جديد،
لأن اللي بينها وبين الله ما
ينقطع. دائماً كل شيء ينكسر يقدر
ربي يجبره، وكل شيء يتأخر له
موعد عند ربنا. القصة الثانية يقول
صاحب القصة: أنا علي، واليوم عمري
66. شعر شاب من زمان وظهري
انحنى شوي، بس قلبي باقي ينبض
وباقي يعاند الدنيا مثل أول. اللي
يشوفني الحين يمكن يحسبني تاجر كبير
ولا صاحب عقار ولا شيخ مجلس،
بس لو رجعنا 30 سنة ورا،
ما كنت أملك إلا شماغي وملف
الأخضر اللي قدمت فيه على وظيفة،
ولا أحد رد علي. كنت وقتها
في الرياض ساكن في غرفة على
السطح بحي الملس. حرها ما يرحم
وبرادها ما يدخل إلا من شقوق
الجدران. وكنت مثل كل أحد، يمكن
أحلم، أحاول أنسجن أحياناً وسط فكري،
وأقوم أكلم نفسي، أقول: "علي بكرة
غير، والله بكرة غير." بس مرت
أيام وسنين، وكل بكرة كانت تتأخر.
ليه جا اليوم اللي فعلاً تغير
فيه كل شيء، بس مو مثل
ما توقعت أبدا. كنت وقتها أشتغل
بشركة مقاولات متوسطة، وظيفة بسيطة، استلم
أوراق وأسلم معارض. ما كان راتبي
يكفي أفتح بيت، بس كان يسد
رمقى العزوبية. تقدمت لوظائف كثيرة، رحت
دورات تعلمت كمبيوتر، حفظت مصطلحات إنجليزية،
بس كل باب كنت أدقه ما
ينفتح. تزوجت نورا بنت خالي، وكانت
أعظم نعمة دخلت حياتي. نورا ما
كانت تطلب، ما كانت تشتكي، كانت
تحط يدها بيدي وتقول: "نبني بيتنا
بالحب أول، والباقي بيجي مع الأيام."
بس الأيام ما كانت ترحمنا. حملت
نور بولدنا الأول سامي، وكنت فرحان
كأني ملكت الدنيا. بس بنفس الشهر
خسرنا الشغل والشركة أعلنت إفلاسها. أذكر
رجوعي ذاك اليوم الساعه 12 الظهر،
حر، ووجهي مصفر. دخلت بيتنا اللي
مستأجرينه، قلت لها: "نورا ما عاد
في شغل قالوا." خلاص. ما بكيت،
ما زعلت، بس جلست على الأرض
وحطت يدها على بطنها، وقالت: "أهم
شيء يكون سوا." يا علي، يا
ناس، ش هالقلب، ش هالقوة! حسيت
بخجل، بضعف، بقهر، بس أقسمت وقتها
وقلت: "والله ما راح أخليك تحتاجين
أحد لو أمشي حافي." مرت شهور
وفلوسنا خلصت، بعت سيارتي وساعت يد
كانت هدية من أبوي، واشتغلت في
سوق الخضار أدفع العربيات وأحمل الصناديق.
واحد من ربعي شافني وقال: "يا
رجال، أنت شايل صناديق؟" قلت له:
"أشيلها وأنا مرفوع الرّاس، ولا أحد
يمد لنوره ريال شفقة." كنت أرجع
تعبان، بس نورا تستقبلني كأني جاي
من معركة، تطبخ لي بقايا رز
وخبز وتقول: "الله يجعل فيه بركة."
كانت تجيني فرص غريبة، شغل مخالف،
تجارة مشبوهة، نصب، بس كنت أقول:
"اشتغل نظيف ولا أوسخ اسم أبوي."
مرت ثلاث سنوات، سامي كبر وأنا
قلبي ******* لأني ما قدرت أشتري
له حتى لعبة، بس كنت كل
ليلة أطالع وجهه وهو نايم وأقول:
"يا ولدي، يمكن ما أعطيتك دراجة،
بس بوعدك أعطيك مستقبل تمشي فيه
وانت مرفوع الرأس." في يوم من
أيام الصيف شفت إعلان صغير على
باب بقالة مكتوب فيه: "نحتاج حارس
موقع بناء، سكن مجاني، مكافأة شهرية."
ما ترددت ورحت وقابلت المقاول وكان
لبناني، سألني: "تعرف تبني؟" قلت له:
"ما أعلم، بس أتعلم." ضحك وقال:
"يلا نظف الموقع." أول نظفت وغسلت
ورتبت، لين بدا يحترمني. علمني شوي
شوي خلط الأسمنت، قياس الزوايا، توزيع
حديث. صرت أشتغل وأتعلم وأراقب البنايين
كأني طالب. ومع الوقت، أخذني مساعد
له. ما كان راتبي عالي، بس
كل يوم أحس إني رجعت أتنفس.
وبدأت أشتغل نص النهار بالموقع، ونص
أركب طوب لحالي في أطراف الرياض
على أراضي ما حد طالع فيها.
بس أنا كنت أشوف فيها أمل.
بعد خمس سنين، اشتريت أرض صغيرة
بأقصى الجنوب، دفعتها بالتقسيط وبنيت عليها
أول غرفة بيدي. ما كان في
سباكة ولا كهرب، بس كان بيت
علي. نورا بكت وقالت: "أخيراً لها
جدار، ما نطلع منه." ومن هنا
بدأت الحكاية. سويت دعاية صغيرة، كتبت
لوحة حديد "أعمال بناء وتشطيب"، وصرت
أخذ مشاريع بسيطة: غرف، ملحق، ترميم
قديم. وربي بارك لي لأني بناتي
بضمير ما أغش وما أتأخر. كبرت
الاسم وكبرت الأعمال، وجبت معي شباب
من الحي عاطلين وعلمتهم اللي تعلمته.
وصار سامي يجي معي يساعد بملابس
العمل، يشيل طوب ويمسح ويقول.
أبوي تعبت. أقول له: "كلنا تعبنا
يا ولدي، بس تعال شوف، هذا
التعب له طعم." في عز صعودي
وأنا أبني مشروع كبير لأول مرة
باسمي، حسيت بتعب ورحت المستشفى. الدكتور
قال: "تحليل السكر مرتفع وضغطك مو
مضبوط." أخذني الزاوية، وقال: "أنت بين
خيارين: تكمل بنفس الطريقة وتنهار أو
تهدى وتعيش." رجعت للبيت، وجيت أسلم
نورا. قلت لها: "ش أسوي؟ قلبي
لسه مليان نار وأحلم." قالت: "علي،
يمكن ربي يبيك تبطئ عشان تعيش
وتشوف الحلم من بعيد." او تموت
قبلها، وخذيت بنصيحتها. خفضت الشغل، عطيت
الإدارة لولدي سامي، وجلست أدرب وأوجه،
وأنام براحتي، وأفطر مع نور كل
صباح. واليوم، بعد كل هالعمر، جالس
في بيتي، مو القصر، لا، البيت
اللي بنيته بيدي، بطوبة فوق طوبة،
وأمل فوق أمل. سامي صار مهندس
ويشتغل باسمي، ونورا تمشي الحين وسط
الحوش الصغير تسقي زرع وتضحك. وكل
ما شفت عامل جديد يشتغل بموقعنا،
أروح وأجس معه، وأقول: "له يا
ولدي، علي، قبل 20 سنة كان
يشيل الطوب مثلك، بس الحين كل
اللي أشوفه قدامك بدأ من غرفة."
أنا علي، ما كنت غني وما
كنت معروف، بس كنت رجال مرضى
يطيح وهو يشوف اللي يحبهم محتاجين.
والحين عندي كل شيء: زوجة قالت
لي: "ما عليك، وهي جوعانة، وولد
يفتخر باسمي، وبيت في ريحة تعب
وطعم رضا." وإذا سمعت قصتي وتعبك
ثقيل، خذها مني: البداية ما تهم،
الأهم أنك تكمل، وأنك تمشي لو
بخطوة، ويمكن تكون زيي تبني بيت
من التراب، بس تسكن بكرامتك وتعيش
فيه مرفوع الرأس. وبكذا نكون خلصنا
قصة اليوم.