تقول صاحبة القصة: أنا ما كنت
أول وحدة تنخطب في العيلة. تقدم
لي شاب اسمه سامي من غير
منطقتنا، من عائلة بسيطة جداً، من
قبيلة غير قبيلتنا. واصل هالقبيلة ما
يرضي عيلتي. أول ما دخلوا بيتي،
خواتي حسيتهم تغيرت نبرتهم، نظراتهم، وطريقتهم
كانهم مو شايفينهم. شيء أمي قالت
الرجال ما يعيبهم إلا جيبه، بس
خواتي قالوا هو من وين؟ مين
اللي يعرفه كيف تضمنين مستقبلك معاه؟
بس أنا ما كنت شايفة فيه
إلا إنه رجال محترم، خجول، واضح
وصادق. أنا استخرت الحمد لله وحسيت
إني مرتاحة مع الرجال هذا، خصوصاً
بعد ما سالوا عنه أهلي وطلع
إنسان محترم وصادق وكذا. فوافقت. أبوي
كان مكسور بيني وبين خواتي، سال
عنه وارتاح له، وقال الولد طيب
ويصلي، وأهله ناس طيبين. بس خواتي
قوموا الدنيا عندهم، قالوا لأبوي: ش
بتقول للناس بنتك تزوجت واحد من
غير قبيلتنا وفقير؟ أنا وقتها انفجرت.
أنا اللي بتزوج مو أنتم، ترى
وأنتم عايشين ببيوتكم مع أزواجكم. وش
دخلكم بحياتي؟ قاموا يبكون قدام أمي
وأبوي، وقالوا لي إذا تزوجتيه لا
أنتِ أختنا ولا نعرفك، وإحنا ما
لنا علاقة فيك. كنت مصدومة، بس
قلت إذا قربكم يعني يذلني خلاص،
فرقاكم عيد. تم الزواج، أبوي بس
اللي كان واقف معاي، ومعه أمي.
تزوجت بدون زفة، بدون خوات ولا
حتى كلمة مبروك. زوجي سامي استأجر
لنا شقة صغيرة بعمارة قديمة غرفتين
وصالة بس. كنت أحس إني مرتاحة.
سامي كان رجل بمعنى الكلمة، يدور
على راحتي، يحاول يضحكني، وكل ريال
يجيبه يحطه بيدي. أنا ما كنت
أشتكي من شيء، رغم البساطة كنت
مبسوطة، بس قلبي يوجعني من جوا
احن لأخواتي، لجلساتنا، لضحكاتنا. كل مرة
أرسل لهم يتجاهلون وما يردون. مرت
سنة جبت بنتي الأولى، سميتها على
اسم أمي. توقعت إنهم ينبسطون لي
، يحنون ويرجعون، بس ما حد
بارك ولا حتى برسالة. أرسلت صورة
بنتي بجروب العيلة، تم حذفها. تخيلوا؟
بدون ما يردوا، بدون ما يباركوا
لي. وقتها انهرت، بكيت مو عشانهم،
لكن عشان بنتي ما راح تعرف
خالاتها. قلت بيني وبين نفسي يمكن
الزمن يغيرهم، يمكن إذا كبرت بنتي
وصارت تشوفهم، قلوبهم تحن، بس السنين
كانت تمشي وهم قلوبهم تصير حجر.
زوجي بدأ مشروع صغير من بقالة،
كنت أوقف معاه. ما أقول لكم،
ما تعبنا، والله تعبنا، بس كنا
مبسوطين ونحسب كل ريال. الناس كانوا
يقولون: شوفوها تشتغل مع زوجها، بكرة
يتزوج عليها. بس أنا ما كنت
أحرج من كلامهم، لأني عارفة زوجي.
كل يوم الصباح قبل ما يطلع،
يدعي لي، يقول لي كلمة حلوة.
هذا الرجال حقيقي، يرحم علي من
غنى أخواتي اللي سحبوا نفسهم من
حياتي. مرت خمس سنوات، صار عندي
ولد وبنت. سامي فتح بقالتين واشترى
لنا بيت صغير بالقرض. أنا فتحت
مشروع أونلاين، أبيع فيه منتجات منزلية.
ما كان يمر أسبوع إلا وأنا
أوصل طلبيات خواتي. لا خبر ولا
زيارة ولا حتى تهنئة بعيد. كل
ما أرسلت لأمي صورة كانت تقول
لي: أرسليها لي خاص، ما أقدر
أحطها قدامهم. عرفت إنهم ما يبغوني،
ما زالوا رافضيني حتى لو حياتي
أفضل. ما يبغوني أكون النموذج اللي
خرب قواعدهم. جتني دعوة من مدرسة
بنتي، حفل تكريم أمهات. قالت لي
بنتي أرسل الدعوة لخالتك نوه، قولي
لها تعالي تشوف بنت أختك. قالت
لي إنه خالتها قالت لها: ما
تقدر مشغولة. حطيت عذرها بصدري، رغم
إني أدري إنه العذر كذبة، بس
ما كنت أبي بنتي تحس إنها
ناقصة. لبست أحسن لبس ورحت، جلست
أصور بنتي وأرسل لأمي، وهي ترسل
لي الله يسعدكم، بس لا تقولين
لهم إني شفت. وش ذنبي؟ أنا
ليش أعيش حبي مع أمي كأنه
حب ممنوع؟ إيش في يا جماعة
الخير؟ بديت ألاحظ إن أختي الكبيرة
لما تجي بيت أمي وإذا أنا
جيت، تطلع هي وعيالها من البيت.
صرت ما أطلب منهم شيء ولا
أعاتب، لأنه العتاب ما ينفع مع
ناس ما تبغى تفهم. زوجي يقول
لي احنا عيلتنا هنا، أنا وعيالك
وجيرانك اللي يسألون عنك وأصحاب مشروعك.
هذا بيتك وعيلتك ويحاول كل مرة
يخليني ما أحتاج أحد. بس مهما
كبرت، يوجعني شعور إني مبعدة من
أهلي. كل وحدة فيهم عايشة حياتها،
لكن أنا اللي صرت منبوذة لأني
اخترت سعادتي على رضاهم. مع كذا
صارت حياتي أجمل. بنتي كبرت، صارت
مميزة بدراستها، وولدي صار يشتغل مع
أبوه في البقالة، لأنه الشغل مو
عيب. زوجي دخل تجارة العقار، صار
لنا دخل ثابت وبيت جميل، وسيارة
وراحة بال. كل شيء كنت أحلم
فيه تحقق، واللي كانوا يتفشلون مني
صارت بيوتهم مليانة مشاكل. كل وحدة
منهم عندها هم ما يعلم فيه
إلا الله، بس أنا قلبي راضي،
وعيوني ما تدمع إلا من الفرح.
اليوم أنا لي 25 سنة ما
شفت خواتي. أمي تمرني بالسر تكلم
عيالي، ما تقدر تذكرني وتذكر عيالي
عند خواتي. كل وحدة منهم تعتبرني
ميتة، بس لما أرجع أشوف لورا
وش صار، أقول الحمد لله إني
خالفتهم. لأني لو ردخت لعاداتهم كان
يمكن أعيش مثلهم خايفة، نادمة، مكسورة،
ما أشوف الناس، أتعامل مع الناس
بطبقية. أنا اليوم زوجة وسيدة بيت،
مو بس ناجحة. أنا فخورة في
نفسي وفي زوجي وفي عيالي. دائماً
أقول لبناتي لا تخلون أحد يقرر
مصيركم، حتى لو كان أقرب الناس
لكم. مو عناد، لا، بس لأن
الظلم لو سكت عنه يكبر فيك
لين يخنقك. والظلم تخليه متوارث على
مر الأجيال. بناتي عرفوا قصتي، صاروا
يفهمون ش معنى الاختيار، صاروا يشوفون
أبوهم مو كشخص فقير، لا، رجال
تعب على نفسه ورباهم بكرامة. وكل
ما أحد سالهم وش أصل أبوكم،
كانوا يقولون بكل فخر: أصلنا كذا،
إحنا من القبيلة الفلانية. ما يستحون.
أكثر شيء يوجعني إن أمي تكبر
وأنا مو معاها. مرضت مرتين، وأنا
آخر من يدري. ولما أروح للمستشفى،
خواتي يمنعوني أدخل الغرفة. آخر مرة
بكيت برا الباب، رفعت صوتي وقلت:
يا يما أنا ماني جايه أوجعك،
أنا جايه أطمئن عليك، حتى لو
خواتي صدوني. أنا راح أدعي لك.
قعدت أقرأ لها القرآن برا الغرفة
وقلبي يحترق. خرجت من المكان وأنا
أحس إنه جزء مني مات. ذاك
اليوم جتني واحدة من بنات خواتي
بدون ما يدرون، قالت: خالتي، دايم
أقول لأمي إنك ناجحة، بس يقولون
عنك ميتة، ما عندنا أخت مثل
كذا. وقالت: ودنا نجي بيتك، بس
ما نقدر، كل ما جبنا طاريك
تنقلب الدنيا علينا. قلت لها: لا
تجين بالسر ولا تجين بالخوف، لا
تخالفين كلام أمك، الجنة تحت أقدام
الأمهات. مرت السنين، تخيلوا بعد 25
سنة اتصلت علي واحدة من خواتي.
قالت: معليش يا أختي، أنا مليت،
أريد أشوفك. قلبي صار يدق بين
فرح وحرص. قلت لها: تعالي، بس
لا تجين عشان تقهرين أحد، لا
تجين عشان تعاتبيني. تعالي إذا فعلاً
ودك ودك بأختك. جات وجلست في
بيتي، وقالت: ما كنت أتخيل إنك
عايشة كذا. قلت لها: لأني ما
احتجت رضى الناس، رضيت ربي، ثم
نفسي. بكت وقالت: أنت كسبتي نفسك،
وإحنا خسرنا أختنا. من بعدها بدأ
الكلام ينتشر إنه أنا واختي تصالحنا.
هذا الشيء على الأقل فتح باب.
جتني رسالة من أختي الثانية: ترى،
أنا مو ضدك، بس كنت أضعف
من إني أوقف بوجيهم. رديت: الضعف
مو عذر إنك تكسرين قلب أختك.
قالت: سامحيني. قلت: أنا مسامحتك من
سنين، وودي إن علاقتنا تتحسن. وفعلًا
بدأت علاقتنا تتحسن شوي شوي. صاروا
يرسلون مع أمي هدايا بدون أسماء،
وأنا أرد بس ببرود. تعلمت إني
أعطي بس بحدود، ما أفتح أبوابي
مرة وحدة عشان ما أنصدم. لأني
جربت الطعنة، وما أريد أرجع أعيش
******* عمره 25 سنة. زوجي قال
لي: وش تحسنين؟ قلت: أنا مبسوطة،
أهلي بدوا يتقبلوني من جد. حسيت
براحة، مو لأنهم رجعوا، لأنه اللي
صار علمني. أنا ما كنت محتاجة
إلا نفسي وربي وقلبي القوي. كثير
يظنوني إن القطيعة تنكسر بالكلام، بس
هي تنكسر بالنية الصافية. خواتي بدأوا
يحنون، يرسلون، بس لسه فيهم كبرياء.
أنا ما أطلب شيء ولا بكلمهم
ولا أعاتبهم. متى ما جو، حياهم
الله. في مرة اجتمعنا صدفة بزواج
واحدة من بنات العائلة. قلوبهم كانت
مليانة، بس وجوههم تحاول تبتسم. جت
أختي الكبيرة، قالت: كملتي حياتك بدوننا،
إحنا اللي خسرناك. كملتي بدون ما
سـ'ـب ولا شكاوى. اعتذر منك يا
خيتي، أنا اللي شيشت خواتي عليك.
ما أريد بناتي يكونون *******، أريدهم
يكونون أرحم في هذا الزواج. تصالحنا
أنا وأختي الكبيرة. الأيام مشت وصار
بيننا سلام، مو حب ولا دفء
الخوات، بس سلام يكفيني. أمي كانت
تقول: أشوفكم مجتمعين لو بس نظرات،
وقلبي يطيب. قلنا لها: أهم شيء
إنك أنت بخير، الباقي يجي بعدين.
صار بيننا ردود ورسائل، أنا ما
كنت أطلب أكثر من كذا. أريد
صلة الرحم، بس اللي راح ما
يرجع مثل أول، بس في النهاية
إحنا خوات. بدأت علاقتنا ترجع شوي
شوي ، زي ما قلت لكم،
وأنا مو دكتورة. اخترت هالزوج، كان
هالزوج دعوة استجيبت لي، كانه تعويض
عن كل *******. بنتي الكبيرة قرب
زواجها، كل شيء كنت أحلم أعيشه
يوم عرسي، عشت معاه. سويت لها
زفة، لبستها الفستان بيديني، دخلت معها
وأنا مبسوطة. خواتي جوا للمناسبة،
جلسوا يطالعوا وعيونهم مدمعه. صرنا نرجع
نتجمع زي أول في بيت أهلي.
صرت أسمع منهم كلام، لو رجع
فينا الزمن من كان دعمناك. كنا
صغار وجرينا ورا العادات والتقاليد. كلام
الناس غرتنا، ما كنا نشوف غير
اللي تربينا عليه. كنت أرد بهدوء،
مو مهم وش كنتم. المهم حنا
عيال اليوم وإش بتصيرون من بعد
اليوم. صدق، أنا ما كنت أنتظر
منهم يعتذرون لي، بس هم كانوا
يحاولون يطبطبون بطريقتهم. هدايا بسيطة، زيارات
سريعة، نبرات ندم. اليوم عايشة في
بيت ما كنت أحلم فيه، حتى
وبنتي الثانية مبتعثة، وولدي ماسك بزنس
أبوه، وأنا عندي كوفي صغير وأديره
بنفسي. خواتي صرنا نتقابل بالمناسبات، وكل
ويكند نتجمع في بيت أمي. نتراسل،
قلوبنا ما فيها كره، صارت العلاقة
عقلانية أكثر من إنها عاطفية. وهذا
الشيء خلاني ارتاح لأني ما توقعت
أصلاً يكون بيننا هالقدر من السلام.
خواتي تبرير قسوتهم قالوا لي: كنا
خايفين عليك. قلت: بس خوفكم خلاني
أعيش غريبة بينكم. ولو فعلاً كنتوا
تخافون، كنتم ساندتوني، مو تركتوني لحالي.
الحين أنا لما أجلس مع عيالي،
أقول لهم أكبر نعمة في الحياة
إني اخترت أبوكم. وأشكر ربي إنه
ما كسر قلبي. واليوم بعد 25
سنة من المقاطعة، ما أقول إني
فزت، بس أقدر أقول إني ما
خسرت نفسي، وما خذلت قلبي، والحمد
لله ما خسرت أهلي. قاطعوني بسبب
فقري، بس عمره الفقر ما كان
عيب. اللي احتقر زوجي زمان، اليوم
يحترمه قبل لا يسلم عليه. أنا
الحمد لله ما رديت القطيعة بقطيعة،
رديت بسكوت. وفي النهاية القصة مو
عناد ولا تحدي، القصة عن واحدة
عرفت وش تبي وثبتت على قرارها.
حتى لو وقفت كل العيلة ضدها،
ما انتقمت ولا رديت. بس نجحت،
وأثبتت إنه اختياري ما كان غلط،
والحمد لله كسبت أهلي وكسبت زوج
ما يتعوض، وانتهت القصة.