السلام عليكم، أنا مساعد الشراري، وكل
يوم راح أنزل لكم قصة منقولة
من متابعيني، لكن لا تنسون تصلون
على النبي وتتابعون حسابي وتشاركون القصة
مع أصحابكم. ونبدأ قصتنا لليوم؛ تقول
صاحبة القصة، أنا ماجده، عشت طول
عمري وأنا أحسب أني البنت الوحيدة
اللي ما لها لا أخ ولا
أخت. حملت فيني أمي وكان عمرها
45 سنة، يعني جابتني وهي كبيرة
في السن. طبعًا هذا الشيء خلى
أبوي وأمي يشوفوني جوهرة البيت. تخيلوا
طفلة تولد لناس كبار، كيف بيدلعونا.
أبوي كان يفرش لي الأرض ورد،
ما قد نطق بكلمة "لا" في
وجهي. كبرت وأنا أحس أني ملكة،
أي شيء أطلبه يجيني قبل ما
أكمل كلامي. أبوي بالذات كان عنده
خوف علي مو طبيعي، خوف مرضي،
يعني لو بس بكيت وأنا صغيرة
يقلب البيت فوق تحت. ولو تهاوشت
مع بنت في الحارة والمدرسة، يروح
يهاوش أهلها ويحسسني أنه الكل يبي
يؤذيني، وهو الدرع الحامي لي. كنت
دايم أسأل أمي: "يما، ليش أنا
بس لحالي؟ ليش ما عندي أخوان
نلعب سوا؟" كانت أمي تطالع في
أبوي وتسكت، بعدين تقول لي: "يا
بنيتي، هذا رزق من الله، والحمد
لله أنك جيتينا ونورتي حياتنا." كنت
أقتنع بكلامها لأن ما كان عندي
خيار ثاني. حياتنا كانت هادئة، بيت
بسيط، بس مليان حب ودلال. أبوي
كان حريص جدًا على تربيتي، ما
يخليني أطلع لحالي ولا أروح لأحد،
وحتى السفر كان دائم يوديني لأماكن
معينة. بس في حاجة كانت في
بالي من وأنا صغيرة ولا لقيت
لها جواب. أمي عندها خواتي اللي
هم خالاتي. كانت تحب تروح تزور
خالة معينة منهم. هذه الخالة بالذات
كان أبوي يرفض تمامًا أني أروح
مع أمي عندها. يوم كانت أمي
تجهز شنطتها عشان تروح لخالتي، كنت
أنقز وأقول: "يما، خذيني معك، أريد
أشوف عيال خالاتي وألعب معهم." هنا
كان وجه أبوي يتغير ويصير قاسي
فجأة، ويقول: "لا، ماجده تقعد عندي،
تروحين لحالك يا أم ماجده وترجعين."
كنت أنقهر وأبكي: "ليش يا يبا؟"
يقول: "خالتك هذه بيتها زحمة وعيالها
كثير وما يصلح لك." كنت أستغرب:
"وش اللي ما يصلح لي؟ أنا
بنت وبروح عند خالاتي." بس كلمة
أبوي كانت هي اللي تمشي. ومع
الوقت بدأت الشكوك تكبر في راسي:
ليش أبوي يكره خالاتي وليش ما
يبي يجمعني فيهم. صرت أشوف أمي
أحيانًا تتكلم في التلفون وتوطي صوتها
مرة، وإذا دخلت أنا الغرفة تقفل
الخط وتتغير ملامح وجهها. كبرت وأنا
أحس بشيء *******، أحس بشيء غريب
في بيتنا، ولا أحد يبي يعلمني.
في مراهقتي زاد هالدلال وزاد معه
الحصار. أبوي صار يراقب حتى مكالماتي،
يسألني: "مع مين تسولفين وليش هالبنت
دقت عليك؟" كنت أحس أنه خايف
أنه أحد يعلمني بشيء وهو مخبيه.
أمي كانت هادئة زيادة عن اللزوم،
وصمتها كان يذبحني. كنت أشوفها أحيانًا
آخر الليل تصلي الوتر وتقعد على
سجادتها تدعي وتصيح، وإذا سألتها تقول
شوي تعب ووجع رأس. مرت السنين،
وصلت لسن العشرين، وأنا للحين ماجده
الدلوعه اللي ما شافت من أهلها
إلا الدلع. لحد ما جاء ذاك
اليوم اللي طحت فيه على طرف
الخيط اللي قلب حياتي فوق تحت.
كان بطل القصة هو جوال أمي
اللي كان منطقة محظورة بالنسبة لي.
مثل ما قلت لكم، الجوال في
يد أمي كان خط أحمر. أمي
ما كانت تحط رمز قفل، بس
كانت دائمًا تقول: "يا ويلك تمسكين
جوالي، هذه خصوصيات." أنا كنت أقول
في نفسي: "يا حليلها أمي، ش
عندها من خصوصيات غير سوالف مع
خالاتي." بس ذاك اليوم كان في
ضيقة في صدري مو طبيعية، فضول
ينهش في راسي، يبي يعرف ش
السر اللي مخليني معزولة عن عائلة
أمي. أمي دخلت تتروش وتركت جوالها
على الكمدينة في غرفتها. قعدت أطالع
في الجوال، قلبي يدق بسرعة، أحس
أني بسوي جريمة. مسكت الجوال ويدي
ترجف، فتحت الواتس وبديت أدور في
المحادثات. لقيت محادثة بينها وبين خالتي
اللي أبوي يمنعني أروح لها. بديت
أسمع للصوتيات، كلام عادي: "أخبارك وأخبار
العيال"، لحد ما وصلت لصوتية من
خالتي تقول فيها: "يا أم ماجده،
كيفهم البنات، عساهم بخير." أنا هنا
وقفت، إيش يعني "كيفهم البنات" بصيغة
الجمع، يمكن تقصدني أنا وبنات خالاتي؟
كملت أسمع، وسمعت رد أمي الصاعقة.
ردت عليها قالت: "ماجده بخير ومبسوطة،
وسلوى مثل ما أنت عارفة، ما
يربطنا فيها إلا الجوال، وهي تقول
إنها بخير." لحد الساعة، أنا هنا
الدنيا دارت فيني. سلوى ومين هالبنت
اللي أمي تقول عنها إنها بخير
وليش تقول خالتي البنات؟ حسيت ببرودة
في جسمي وصداع فضيع، قعدت أعيد
الصوتية عشر مرات، مئة مرة، أريد
أكذب اللي قاعد أسمعه. مستحيل، أنا
واجدة الوحيدة، أنا اللي مالي أحد،
مالي خوات، من وين طلعت هذه
سلوى؟ وليش أمي مخبيه علي؟ كيف
أبوي ساكت؟ بدأت الأسئلة تضرب في
راسي. رجعت الجوال مكانه، وقعدت على
طرف السرير وأنا أهز رجلي، أنتظر
أمي تطلع من الحمام وانتم بكرامة
، كنت أحس أنه في
نار في صدري لازم تنطفي. طلعت
أمي وهي تنشف شعرها، شافتني وقالت:
"بسم الله عليك ماجده، شفيك وجهك
أصفر؟" طالعت فيها بعيون مليانة دموع،
يتلها بصوت يرجف: "يما، مين سلوى؟"
أمي هنا جمدت مكانها، الفوطة طاحت
من يدها، ووجهها صار أبيض كانه
قطن. حاولت تتمالك، وقالت: "ش هالكلام؟
مين سلوى هذه؟ أكيد تتخيلين." قلت
لها: "لا تكذبين علي يا يما،
شفت رسائلك مع خالتي، سمعت كلامك
عن سلوى وأنها بخير وأنكم ما
تعرفون عنها إلا تتواصلون بالجوال. قولي
لي الحين مين هذه؟" أمي بدأت
ترجف، قالت: "اسكتي، لا يسمعك أبوك،
يا ويلنا لو دري إنه عرفتي."
قلت لها: "ما راح أسكت، يا
تعلميني الحين يا أروح لأبوي وأسأله."
هنا أمي انهارت وجلست على الكرسي
وبدأت تصيح بحرقة، قالت: "اجلس يا
بنيتي، كنت أدري إنه هاليوم بيجي،
بس كنت خايفة، خايفة على بيتنا
يخرب." قعدت قدامها وأنا كلي آذان
صاغية. بدأت أمي تحكي لي حكاية
ما كانت تخطر على بالي ولا
في الخيال، حكاية عن أبوي المثالي
اللي كنت أشوفه أعظم رجل، وعن
أخت لي عاشت العذاب وراحت ضـ،ـحية
بسبب أبوي. أمي كانت تتكلم وهي
ترجف، خايفة إنه أبوي يدخل علينا
في أي لحظة. قالت لي: "يا
ماجده، سلوى هذه هي أختك، أختك
من أمك وأبوك." أنا هنا جاني
ذهول، قلت لها: "كيف يا يما،
أنا طول عمري أحسب أني وحيدة."
قالت: "سلوى، الحين عمرها 40 سنة،
أكبر منك بـ 20 سنة. يوم
ولدت سلوى، أبوك ما كان هو
الرجل اللي تشوفينه الحين، أبوك كان
ضايع، كان مبتلي بالشراب والسهر والخرابيط."
انصدمت، أبويا اللي الحين يروح للمسجد
وما يترك فرض! أبويا اللي الناس
تحلف بأدبه، قالت أمي: "إي، يا
بنيتي، الهداية من الله. أبوك كان
يرجع البيت *******، وكان يفرق كل
غضبه وشــ،ــره في سلوى، كانت طفلة
صغيرة، وبدل ما يضـ،ـمها، كان يضـ،ـربها
ويهيــ،ــنها. ولما كبرت ودخلت المدرسة، كان
يروح لها سكــ،ــران قدام المدرسات والبنات،
ويصــ،ــارخ عليها، ويخلي اللي يسوى واللي
ما يسوى يتشمت فيها." كانت سلوى
تعيش رعب يومي لدرجة إنها كرهت
البيت وكــ،ــرهت أبوها. أنا أسمع كلام
أمي ودموعي تنزل، أتخيل أختي لما
كانت صغيرة، وهي تنضـ،ـرب، وأنا اللي
عشت في دلال ما حلمت فيه.
كملت أمي كلامها، وقالت: "سلوى لما
صار عمرها 18 سنة ما قدرت
تتحمل أكثر. في يوم وليلة اختفت،
هربت وما خلت وراها أثر. أبوك،
وقتها جن جنونه، مو حب فيها،
بس كان يحس إنها كسرت كلمته.
قعدنا سنة كاملة ما ندري وينها،
لحد ما عرفت إنه خالتك اللي
أبوك يكرهها هي اللي ساعدتها تهرب
وتطلع برا البلد عشان تدرس وتبني
حياتها بعيد عن جحيم أبوك." قالت
أمي: "أبوك لما عرف إنه بنته
هربت بسببها، كانه انصفع *******، صحا
من سكرته. بدأ يندم، بدأ يترك
البلا اللي هو فيها، تحول لإنسان
ثاني تمامًا. وبعدها بسنوات لما صار
عمر أمي 45 سنة، حملت فيني.
تقول أمي: "لما جيتي أنت، أبوك
حلف إنه يعوض كل الظلم اللي
ظلمه سلوى فيك. أنت صار يخاف
عليك من الهواء، ودلعك دلال مو
طبيعي عشان يغطي على جريمته في
حق أختك ومنعني أعلمك أن لك
أخت وهددني بالطلاق لو نطقت باسم
سلوى قدامك لأن يبيك تشوفينه الأب
المثالي وما تدرين عن ماضيه الأسود."
بعد ما عرفت السالفة، قعدت أيام
وأنا ماني طايقة طالع في وجه
أبوي. كنت أشوف وأتخيل أختي سلوى
وهي تنضرب بسببه. أمي كانت تترجاني:
"يا ماجده، طرّبتك لا تعلمينه، إني
علمتك، بيطلقني ويخرب بيتي." سكتت سنة
كاملة، تخيلوا! سنة كاملة وأنا أتواصل
مع أختي سلوى من ورا أبوي.
أخذت رقمها من أمي وكلمتها. أول
مكالمة كانت كلها صياح. قلت لها:
"أنا أختك ماجده." وهي بكت وقالت:
"يا حبيبتي، يا ماجده، أنا دايم
أسأل عنك وأشوف صورك بس ما
كنت أبي أخرب حياتك بسبب سلوى."
الحين متزوجة وعندها أربع عيال وعايشة
بره. صرنا نسولف كل يوم، وترسل
لي صور عيالها. وصرت أحس بغصة:
كيف هالعائلة كلها بعيدة عننا بسبب
أبوي. في الأخير قررت أني ما
أقدر أستمر في الكذب. رحت لأمي
وقلت لها: "يا يما، لازم نعلم
أبوك، لازم نجمع الشمل، العمر يركض."
أمي كانت ميتة خاف، بس أنا
قريت في عيونها إنها هي بعد
تبي ترتاح من هالسر اللي كاتمه
على نفسها وجاب لها السكر. دخلنا
على أبوي وهو جالس يشرب شاي
في الصالة. وقفت قدامه وقلت له
بكلمة واحدة: "يبا، أنا عرفت كل
شيء عن أختي سلوى." أبويا نزل
البيالة من يده، طالع في الأرض.
الغرفة صار هدوء، كان وجهه يعبر
عن إحراج وندم وخوف من نظره
لي. قلت له: "يبا، أنا ما
أنكر أنك أحسن أب في الدنيا
بالنسبة لي، بس اللي سويته في
سلوى غلط، وحرمانك لي منها الحين
هو الغلط الأكبر. أختي عندها عيال
وأنا خالة، وأنت عندك أحفاد. لين
متى بنعيش غرباء؟" أبوي بدأ يصيح
ويعتذر: "قال يا بنيتي، أنا كنت
ضايع، وسلوى هي اللي دفعت الثمن.
كنت خايف تكرهيني لو عرفتي الحقيقة."
قلت له: "ما راح أكرهك، بس
لازم تصلح اللي انكسر." وبعد محاولات
وضغط مني ومن أمي، وافق أبوي
إنه نروح لبيت خالتي عشان نقابل
سلوى، لأنها كانت جايه زيارة وما
تبي تجي لبيتنا لأنها لسه شايلة
في خاطرها من الأيام السودا اللي
عاشتها. ركبنا السيارة أنا وأمي وأبوي
متوجهين لبيت خالتي. الطريق كله كان
صمت. أبوي طالع من الشباك ويده
ترجف، وأمي تمسح دموعها وتسبح، وأنا
قلبي دق كانه طبل. كنت أفكر
كيف بيكون شكلها، كيف بتكون ردة
فعلها لما تشوف الرجال اللي كان
في يوم من الأيام كابوسها. وصلنا
بيت خالتي، ونزلنا. أول ما دخلنا
من الباب، شفت حرمة واقفة في
نص الصالة، ملامحها تشبهني بشكل يخرع،
كانها أنا بس بعد 20 سنة.
أول ما شافت أمي، ارتمت في
حضـ،ـنها، وجلسوا يصيحون صياح يقطع القلب.
سنين من الفراق، سنين من التواصل
بالرسائل والحين صاروا وجه لوجه. أنا
وقفت مكاني، ماني عارفة ش أسوي،
لين لفت عليها سلوى وفتحت لي
يديها، وهي تضحك من وسط دموعها،
قالت: "يا أختي تعالي، يا حبيبتي."
ركضت لها وضميتها، شميت فيها ريحة
الأهل اللي كنت فاقدتهم، وأنا أحس
أني وحيدة. الموقف الأصعب كان لما
دخل أبوي الصالة. شافوه أول ما
شافته، ملامح وجهها تغيرت، رجعت خطوتين
ورا. أبوي كان منكسر، مو هذا
أبوي القوي. نزل راسه وبدأ يبكي
بصوت مسموع. قال: "سامحيني يا بنيتي،
والله إني ظلمتك، والله أنه عقلي
كان غايب، سامحيني يا سلوى." وجلس
يبي يبـ'ـوس راسها ويدها. سلوى كانت
تبي تقسي قلبها، بس في الأخير
هي بنت، وقلب البنت على أبوها
مهما صار. قعدت تبكي وتقول له:
"ليه يا يبا، ليه حرمتني منك
ومن طفولتي." وجلسنا ذيك الليلة كلنا،
وطلعنا كل اللي في قلوبنا. سلوى
حكت عن ذكرياتها المؤلمة، وأبوي كان
يسمع وهو ساكت ومتحمل كل كلمة
لأنه يدري إنه يستاهل. وأمي كانت
تقول: "الحمد لله اللي أحياني لين
شفتكم في بيت واحد." تعرفت على
عيالها، أحفاد أبوي اللي ما كان
يدري عنهم. شفت ولدها الكبير اللي
عمره 17 سنة يعني قريب من
عمري. تخيلوا طول هالسنين عندي عيال
أخت ولا أدري. بعد ذاك اليوم،
انقلبت حياتنا 180 درجة. سلوى وزوجها
وعيالها صاروا يجون عندنا في مدينتنا،
والبيت اللي كان هادئًا ومملًا ويسكن
فيه ثلاث أشخاص بس، صار يضج
بالحياة والصراخ والضحك. أبوي صار يجمع
أحفاده حوله ويحاول يعوضهم عن كل
سنين الحرمان، وسلوى رغم إنه الجرح
اللي في قلبها ما طاب تمامًا،
إلا إنها قدرت تسامح عشان تمشي
الحياة. الحين أنا جالسة أقول لكم
هذه القصة وأنا أطالع في صورة
جمعتنا كلنا في العيد الأخير. تعلمت
أن الستر على الأخطاء القديمة ما
يحله، وأن المواجهة هي الطريق الوحيد
للراحة. أبويا الحين رجل ثاني، رجل
تاب لربه، وقدر في آخر عمره
يلم شمل عائلته اللي كانت مشتتة.
وأنا الحين أسعد واحدة لأني صرت
خالة، الخالة ماجدة، وصار عندي أخت
أروح لها وأشكي لها، وصار لي
بيت روح لما كانت موجودة قبل.
انتهت القصة.