تقول صاحبة القصة: أنا سهام ،
عمري الآن 22 سنة. بس قصتي
ما بدأت من عمري لحالي. قصتي
بدأت من يوم ما كان عمري
13 سنة. يومها كانت الحياة صعبه
وأنا ما فيني قوة أقاوم. كنت
بنت زي أي بنت، تحب تضحك،
تحب تتكلم، تحب تكون محبوبة، تحب
تعيش جوها، بس كنت أحس أني
ماني مفهومة. كل شيء فيني كانوا
يشوفونه غلط: ضحكتي غريبة، لبسي معقد،
أخلاقي متشددة. كنت ألبس عباية على
الرأس كامل، ما كنت أحب أني
أظهر شيء. أخاف من نظرات الناس
وأخاف حتى من نفسي. من يوم
وأنا صغيرة، أحس أني غريبة بين
أهلي. صوتي ما له قيمة، ورأيي
ما له مكان. مشاعري كانت تسكن
تحت جادة الإهمال. أمي تحب إخواني
أكثر لأنها تشوفهم رجال، وأنا بنت
ساكتة. تفشلت دايم أبكي. أبوي ماكنت
أعرف متى يرضى ومتى يزعل، بس
كنت أعرف أن صوته يوجع ونظراته
تخوف. كنت أجلس بين الجدران الأربعة
وأتساءل: أنا وش اللي سويته؟ ليه
أنا؟ وفي المدرسة ما كان الوضع
أرحم. البنات كانوا دائمًا يتجمعون وأنا
وحدي. تعرفون إذا دخلت الفصل الكل
يطيح عيونه أو يهمس بصوت خافت:
"أي هذه؟" كان يتهامسون عني ويضحكون،
و وحدة تقول: "هذه تحسب نفسها
مطوعة"، والثانية تقول: "الله يعين الي
تصادقها". وكنت أساعدهم رغم كل شيء.
كانت في بنت الله يهديها تكرهني
من قلب، بس بيوم طاحت من
الدرج. أنا اللي ركضت و أجيب
لها الموية، وأنا اللي مسكت يدها،
وأنا اللي وقفت معها، بس بعدها
ولا كانه صار شيء، رجعت تسبني
ورا ظهري. بس الغريب ما كنت
أكره قلبي، رغم كل الجرح كان
باقي في نور. كنت أرجع البيت
وأسكر باب غرفتي وأبكي بصمت. كل
يوم كنت أكتب في دفتري: "سري
يا رب، متى الفرج ؟ متى
أحد يشوفني؟" ومع كذا ما وقفت.
كل ما طحت قمت، وكل ما
بكيت مسحت دموعي، وكل ما أحد
قهرني كنت أقول: "ما عليه، بكرة
راح يجي يوم وينقهرون مثل ما
أنا انقهرت". إلى أن جاء يوم
وأنا عمري 16 سنة، كنت واقفة
قدام المرايه ، ونظرات لنفسي تقول:
"ما أقدر أكمل كذا". كان في
شيء من جوّا يقول: "كفاية". من
بعدها تغير كل شيء. صرت أركز
على دراستي بشكل مرعب، قفلت من
الكل وسكرت على قلبي، وصار تركيزي
كله على مستقبلي. كنت أذاكر من
العصر للفجر، وأكتب ملاحظات، وأراجع، وأتكلم
مع نفسي وأنا إذاكر كأني ببطولة
ما فيها جمهور، وبنص الضغوطات
حملت الانستقرام . قلت: "بستكشف، أعيش.
أحاول أني ألاقي شيء يفرحني". وبين
الحسابات والبوستات والدردشات، تعرفت على بنت
اسمها نوره. كانت نوره زي
الحلم. من أول كلمة بيننا حسيت
أن قلبي يتنفّس. كانت قريبة من
قرية تتبع لنفس محافظتنا، كانت تحس
فيني، وتسمعني، وتفهمني. كانت تصير عيوني
اللي غابت عنها الناس. كانت تكلميني
بالساعات، نضحك ونشتكي ونحلم ونخطط. كنت
أحسها أقرب من أهلي، أقرب من
دمي. وكل مرة أقول: الحمد لله
على الأقل في نور. دخلت ثاني
وشديت حيلي. حيل ما يعلم فيه
إلا ربي. ما كنت أطلع، مالي
دخل بأحد، بس دراستي وتوكلت على
الله، وصرت أحرص على درجاتي
حتى المعلمات كانوا يقولون: "سهام، أنت
وينك من أول؟" كنت أقول: "أنا
هنا، بس ما حد شايفني". ونوره
كانت أول وحده تقول
لي: "أنا فخورة فيك، والله إنّي
فخورة فيك"، وكان هالكلام يكفيني ويحييني.
إلى أن خلصت الثانوي، طلعت نسبتي.
يوم شفتها، جلست ابكي رقم
عالي، رقم ما كان أحد يتوقعه،
حتى أنا. طلعت من غرفتي ووريت
أمي وأبوي نتائجي، وعيني تقول لهم:
"أنا بنتكم اللي كنتم تهاوشونها ".
أمي بكت، وأبوي قال لي:
"كفو". أمي بكت، وأبوي قال لي:
"كفو". وكان أول مرة أحس أن
عندي قيمة عندهم. دخلت الجامعة وكان
حلمي يكبر، وكان الله يخبي لي
مفاجأة من العيار الثقيل. جاني شخص
يخطبني ، وهذا الشخص اسمه نايف،
ولد ناس وطيب وخلوق ومتعلم ومحترم،
وكل ما سالنا عنه قالوا: "يستاهل".
بس قلبي كان خايف، مو عشان
شيء بس عشان تعبت من الجرح
الي صار لي . لكن يوم
شفته، حسيت بالأمان. شافني بنظرة غير
ما شاف. بس وجهي شاف كل
أملي، وابتسم وقال: "أنا ما أبيك
عشان شكلك، أنا أبيك عشانك أنت".
استخرت ووافقت، وانخطبنا وبعدها بسنة تزوجنا.
الحمد لله، وكان يوم زواجي كاني
أطير من الفرحه ما كنت مصدقة
أن سهام اللي كانوا يضحكون عليها
الحين عروس مرفوعة الرأس وزوجها يمسك
يدها. ونايف كان ونعم الرجال
يفهمني ، ويسمعني ويساعدني. حتى
لما كنت أدرس، كان يجهز قهوتي
ويقول: "ركزي، أنا هنا". كنت أقول
له: "أنا وش كنت أسوي بدونك؟"،
وكان يقولي بتنجحين بس لحالك".
وكانت ضحكتي حقيقية لأول مرة. ومع
الأيام بشرني الدكتور وقال لي: "مبروك
يا سهام، أنتِ حامل بتوأم". بكيت
من الفرحة، ما صدقت. يا الله
على النعم، كنت أمّسح دموعي وأقول:
"الحمد لله، هذا عوضك يا ربي".
رجعت البيت وقلت لنايف، وقال لي
جاء اليوم اللي نفرح فيه .
حددت أشهر الحمل، ولدت بالسلامة وكنت
أول مرة أمسك طفل، طفل مني
وفيني وعرفت أن كل لحظة
ألم توصلني لهذه اللحظة صاروا أطفالي
كل دنيتي، وصار نايف سندي، وأنا
صرت إنسانة ثانية، أقوى وأحن وأعمق.
اليوم أنا أم وزوجة وطالبة وصديقة
لنوره اللي للحين معاي. بس الأهم
أني صرت أحب نفسي بعد ما
كنت أكرهها. وكل ما أذكر الماضي،
أبتسم. وأقول لنفسي: "شفتي، ما ضاع
تعبك، ربي كان يخبيلك شيء أكبر
بكثير". كنت أقول: "أنا سهام، أيوه
نفسها سهام اللي انكسر قلبها مليون
مرة والله جمع لها على
يد نايف". نفسها سهام اللي كانت
تحلم بفستان الأبيض واليوم تلبسه كل
يوم وهي تطبخ، وهي تضحك، وهي
تحمل طفل وتهز الثاني. ولدت بتوأم
بنت وولد، وأسمائهم اخترناها من قبل
لا ينولدون . ريان، هذا كان
الحلم اللي كل لحظة من عمري
كنت أركض له بدون لا أدري.
أول لحظة شفتهم جاني شعور غريب،
كان كل الألم القديم صار بخار
وطار من قلبي. كأن الله
يربي فيني أم طول عمرها تنتظر
اللحظة هذه. بس خلوني أقول لكم
الحقيقة اللي ما يقولونها الكثير: الأمومة
مو بس ورد وابتسامات وملاهي ولبس
توينز وسنابات، لا. والله الأم حرب
أعصاب وسهر وبكاء على بكاء .
وقلبه ينكسر إذا سمع بكائهم حتى
لو كانوا نايمين. الأسابيع الأولى كانت
انهيار. جسمي تعبان وظهري يعورني، ونايف
كان يحاول، بس حتى هو ما
كان يقدر يشيل كل الحمل. كان
يجي من دوامه ويشيل ريان ويحمم
غادة، ويحاول يخفف عني. لكن بعض
الليالي كنت إنهار عليه وأقول له:
"أنا مو كفو، أنا ماني عارفة
كيف أكون أم". وكان يمسك يدي
ويقول: "أنت أمهم لأن الله اختارك
لهم. وثقي بربك، وثقةي بنفسك". وتمر
الأيام، وأبدأ أتعلم كيف أكون حنونة
ومَرنة، وكيف أكون قوية وأنا تعبانة،
وكيف أسمع بكائهم، وأميز: هذا جوع
ولا مغص ولا يبي حضن أمه.
وكل ليلة، يوم ينامون، كنت أروح
غرفة النوم وأقعد على الأرض وأبكي
بصمت. مو بس من التعب، من
الرضا ومن الخوف ومن العجز ومن
الحب. بس تدرون ش اللي يخليني
أصمد؟ نايف. أنا تزوجت رجال، أنا
تزوجت فريق. هو ما كان الزوج،
كان يشوف فيني الإرهاق من نظره،
كان إذا شافني تعبانه يطبخ
وينظف ويغير للتوأم، ويقول لي: "أنتِ
تهتمين فيهم، وخليني أعتني فيك".
مرت الأشهر وكبروا التوأم . غادة
تشبهني، وعيونها فيها حزن صغير زي
اللي كنت أحمله. وريان نسخة من
نايف، ضحوك وشقي، بس حنون. وكل
مرة أشوفهم أحس أني بنت اليوم
اللي كانت تبكي في غرفة المدرسة،
وحيدة. بس أنا اليوم ماني وحيدة.
أنا أم، عندي بيت، عندي ضحكة
تدفئ قلبي، وعندي ماما تنقال لي
من صوت صغير يلزق بروحي. بس
مو بس الأمومة اللي تغيرت فيني.
رجعت أكمل جامعتي. حتى وأنا
أم، كنت أدرس وأنا أشيل ريان،
وأراجع محاضراتي وجنبي غادة تلعب بالأقلام.
كانوا البنات في الجامعة يقولون: "سهام،
أنت كيف تلحقين على كل هذا؟"
وكنت أضحك وأقول: "ربي ما يعطي
حلمًا إلّا هو يعلم أن حنا
قده، بس نحتاج نصدق أن
إحنا نقدر". ونوره للحين معاي. كانت
تجي وتزورني وتشيل التوام وتقول: من
يصدق سهام اللي كانت تبكي على
السناب، الحين أم جامعية ومتفوقة". وكانت
تضحك وتقول: "بس ما راح أسامحك
إلّا إذا سميتي بنتك الثانية نوره
كنا نضحك، بس نعرف أن صداقتنا
شيء ما ينهز. حتى بعد كذا
زمن. بس تدرون، أكثر لحظة حسيت
فيها أن ربي عوضني عن كل
شيء كانت بعد سنة ونص من
ولادتي بالتوأم. نايف مسك يدي وقال
لي: "أبي أخذك مكان". ركبت السيارة
وكنت مرهقة كالعادة، بس ما قلت
شيء. مشينا ووصلنا المنطقة على طرف
المدينة، مكان فيه شجر ونخل وأصوات
عصافير. نزلت من السيارة وهو مسك
يدي ومشينا شوي إلى أن وقفنا
قدام قطعة أرض وقال لي: "هذه
الأرض باسمك. أبيك تبنين عليه مركز
للأطفال أمّهاتهم مثلك تعبوا ما لقوا
أحد يحضن تعبهم". أبيك تكونين سبب
راحة القلوب كثير. أنا بكيت، ما
قدرت أني أتكلم. هذا نايف، مو
بس حبيبي. هذا شاف أن كل
الألم القديم يقدر يتحول إلى رحمة
وخير لغيري. وهذا المركز صار حلمي
الجاي. اليوم أنا عندي بيت، وتوأم،
وحب، ودراسة، ومشروع ببدأ قريب. واليوم
أنا أكتب، بس ما أكتب بدفتري
السري، أكتب على الدفتر الواضح للكل
و أعلم البنات أن الحياة مو
ثابتة. اليوم تبكين، بكرة تضحكين. اليوم
الكل ضدك، بكرة يتعلمون منك
كيف تصيرين قوية. اليوم كنت الضحية،
بكرة تصيرين ناجحة، الزوجة، الأم، البطله،
اللي قصتها تروى. مرت الأيام، وكل
يوم كنت أجلس بعد ما ينامون
التوام، وأبدأ أرسم على ورقة خطة
حياتي الجديدة. مركز احتضان، هذا الاسم
اللي قررته، مركز يساعد الأمهات المتعبات
اللي كانوا ******* يصرخون بصمت، يتعبون
من غير ما أحد يحس فيهم.
بس تدرون؟ بداية المشروع كانت مرعبة.
أوراق، رخاص، ناس يقولون: "ش تبين
بهالشغلة!" ناس ثانية تقول: "وش عرفك
بالإدارة؟" حتى وحده من قريباتي
جتني وقالت بكل برود: "أنت
ِ للحين تدرسين وعندك توأم. الله
يعينك." بس ابتسمت وقلت: "الله يعين
، وأن اللي يشيل هم شيء
يحبه ما يشوفه كأمن، يشوفه دافع."
وبدأت. وأول يوم فتحت المركز، كنت
واقفة عند الباب، وقلبي دق كأني
داخل اختبار مصيري. الافتتاح كان بسيط،
لكن عيوني كانت تلمع. شفت أول
أم تدخل وتسلم طفلها، وكانت تبكي
وقالت: "أنا ما صدقت أني لقيت
مكان نظيف وآمن." أنا حرفيًا اشتقت
أني أنام. قلت لها: "نامي، وارتاحي
. هالمكان خلق عشاني وعشانك". المركز
صار حياة، صار في موظفات، ألعاب،
قهوة للأمهات، وغرف راحة. حتى استشارات.
الكل صار يتكلم، عن المركز،
وصار عندي طابور من الأمهات اللي
يبكون من الشكر. وكل ليلة أرجع
وأبوس رأس نايف وأقول: "لو ما
أنت ماوصلت لهنا ، الحياة
تحب تختبر فرحتك وتفاجئك من حيث
ما تتوقعي. يوم من الأيام، وأنا
في مكتبي أطالع الكاميرات، وأتابع التوأم
اللي جبتهم معاي، يلعبون بالقسم الخاص،
دخلت علي موظفة وقالت: "أستاذة سهام،
في زائرة تسأل عنك." قلت: "مين؟"
قالت: "اسمها نجلى." قلبي وقف. نجلى!
نجلى هذه! أوه لا، نجلى كانت
وحده من البنات اللي كانوا
يؤذوني بالمتوسط. كانوا هم اللي يهمزون
ويضحكون ويستهزئون. اللي كانت تقول لي:
"قروشة ثقيلة *******، ما أحد يحبك."
رجعت الذكريات كلها بلحظة. أخذت نفس
ومسحت وجهي وقلت: "دخليها". دخلت نجلى،
بس مو نجلى القديمة. مو بعد
جيتها ولا شافت نفسها. دخلت وهي
لابسة عبايه التعب وعيونها كلها
ندم. قالت بصوت حزين أقدر أجلس؟"
قلت لها: "أي، تفضلي." قالت: "أدري
أنك تتذكريني، وأعرف اللي سويته فيك
زمان ما ينوصف ولا يغفر له
أنا اليوم أم، واحتاج مساعدتك.
أنا ما عندي أحد، والمركز هو
أملي الوحيد." أنا كنت أقدر أقول
لها: "لا"، وأقدر أقول لها: "تستاهلين"،
بس أنا سهام، أنا اللي ربي
عطاني عشان أكون رحمة وانتقام. ابتسمت.
وقلت: "طفلك مرحب فيه، وأنتِ بعد،
بس بشرط." قالت: "إيش؟" قلت: "إذا
علمتيه كيف يكون إنسان طيب من
البداية." نجلى بكت، وأنا بكيت معها،
وذيك اللحظة كانت من أعظم اللحظات
اللي حسيت فيها بقيمة العفو، لأني
فعليًا فزت. فزت بأني وصلت وهم
لسه يتعلمون كيف يعيشون. ومع الأيام
صار المركز أقوى والأثر أعمق، وحتى
التوأم كبروا وصاروا يركضون بالممرات. وكل
ما وحدة تقول لي: "أستاذة سهام،
شكرا لأنك أنقذتيني"، كنت أقول في
قلبي: "يارب، شكرا لأنك أنقذتني منهم
ومن نفسي، وبنيتني من جديد." إذا
كنتم تشوفون قصتي مؤلمة، فأنا أراها
نعمة. أنا نجوت. أنا موبس تعديت،
أنا تغيرت وتعلمت وقويت، وصرت الشيء
اللي ما كانوا يتوقعونه. لكل واحد
يسمعني، حتى لو الدنيا كانت ضدك،
خلي قلبك معك. الله ما يكتب
لك الألم إلا وله عوض. وأنا
اليوم العوض ضد نفسه. لا تنتظرين
أحد يفهمك. افهمي نفسك. لا تنتظرين
أحد يسندك. سندك داخلك. وقبل تنامين،
اليوم حضني قلبك وقولي له: "أنا
فخور فيك يا أنا".
او انستا تلقونهم تحت بصندوق الوصف
واحبكم مره وفي امان الله.