تقول صاحبة القصة :في مواقف
بالحياة تمر قدامك وتخليك تعيد ترتيب
كل أفكارك عن الناس، عن الطيبة،
عن الجرأة، عن الوفاء الحقيقي. وأنا
واحدة من الناس اللي عشت هاللحظة
مو فيني بس في زوجه عمي.
عمي الله يرحمه كان رجال هادى
وخلوق ومتزوج واحدة اسمها مها. مها
كانت إنسانة بسيطة ساكته، ما هي
من النوع اللي تسولف كثير، بس
كانت دائمًا تحضر بكل عزيمة. لها
حضورها وثقلها ورزانتها عنده منها ثلاث
أطفال. كل ما شفتهم مع بعض
أقول يزين الحنان إذا جا من
الرجال يحترم زوجته، لكن القدر أحيانًا
يختبرنا بأصعب شكل. في يوم ما
حد كان حاس، جانا خبر حادث
وما جاء من الحادث إلا الجثة.
يومها الدنيا سكتت ما حد صدق
عمي مات الله يرحمه، وانكسر شيء
في العائلة. ما حد تقبل موته
خصوصًا عياله الصغار اللي للحين كانوا
يحسبون إنه بيرجع. بس أكثر واحدة
وجعها واضح كانت مها، ما بكَت
قدام الناس كثير، بس حزنها واضح
في وقفتها، في نظراتها، في صمتها.
كانت تحضـ'ـن عيالها كأنها تحميهم من
الحياة وتحاول تتماسك قدامهم وهي من
جو منهارة. كلنا قلنا الله يعيننا،
ما راح تكون الحياة سهلة بعدها
خصوصًا وهي لحالها معها ثلاث أطفال
وبيت ومسؤولية. بس صار شيء ما
توقعناه أبداً. أبوي كان جالس معنا
بالصالة، جته مكالمة من مها. ما
ندري وش كانت تفاصيل المكالمة بس
لاحظنا وجه أبوي تغير شوي، وشوي
استغرب. سكر الجوال وقال "مها
دقت علي تبغى تكلمني بموضوع مهم".
كلنا توقعنا شيء عادي يمكن أوراق
أو تسهيلات للورث أو شيء يخص
العيال. أبوي رحلها وجلس معاها ورجع.
سالناه وش صار قال طلبت مني
شيء غريب. قلنا ش قال "مها
قالت لي بالحرف الواحد: أنا ما
أبي أربي عيالي بعيد عن أهل
أبوهم، ولا أبي أحد يربيهم إلا
واحد منهم، أبي أعيش بينهم وأكون
زوجة لفلان". فلان هذا اللي تقصده
مها كان عمي الثاني، أخو زوجها،
يعني جرأة. مها صدمتنا، قالت لأبوي
"أنا باقي صغيرة، وماني قاعدة بدون
رجال، بس ما أبي أدخل أحد
غريب على عيالي، ما أبي يدخل
عليهم أحد ما يعرفهم ولا يعرفونه.
ويشهد الله أني ما طلبت الزواج
من ضعف نفس، لكن أنا أبي
أمان لعيالي، وأخو زوجي هو الوحيد
اللي أحسه بيكون لهم أب ثاني
وقتها أبوي سكت ما عرف يرد.
حتى إحنا سمعنا بالسالفة واستغربنا مش
من كلامها بس من شجاعتها وجرأتها.
مين بهالوضوح هالأيام؟ مين بهالبساطة تقول
"أبي زواج بدون لف ودوران"، بس
سبحان الله، أحيانًا الطيبة تكون قوية
مرة. واللي فيني نظيفة يقدر يقول
اللي بخاطره بدون ما يتكسر الكلام.
انتشر كالعاده، ما بقي شيء. الناس
أخذت الموضوع من زوايا غلط، وشلون
تجرأت، ما خلصت العدة. باقي لها
١٠ أيام، حرمة مات زوجها تقوم
تخطب بنفسها أخو زوجها. ما حد
فكر إنه اللي سوت مها كان
أصح قرار. صار الكلام يجي من
كل مكان، وبعض الحريم بدوا يتهامسون
عنها في الجلسات. ما كانها حزينة
في العزا، شكلها كان مرتب في
العزا. أنا كنت أشوفها بعين مليانة
احترام لأنها ما ضيعت وقت في
الحزن الطويل. أخذت حزنها كفاية يعني
حزنت على عمي عشر أيام، بس
هي مضطرة إنها تفكر في عيالها.
لأنها هي عارفة، لو رجعت بأهلها،
ترى يتزوجونها ويرمون عيالها عندنا. قررت
ترجع الأمان لبيتها، نفس العيلة اللي
تبي تحفظ عيالها، لأنها هي عارفة
أن أعمام عيالها طيبين وما راح
يأذونها. عمي الثاني اللي طلبت مها
تتزوجه كان اسمه سلمان، رجال عاقل
وهادي . هذا ما عمره كان
طايش أو يلفت النظر. سمعي باللي
صار طلب يقابل أبوي. دخل عليه
وقال "أنا ما راح أرفض عرض
مها، مو بس عشان مها، لا،
لأنها أرملة أخوي، وهذه أمانة أخوي
عشان هالعيال، عشان أخوي اللي راح،
وما ودي أترك أمانته تضيع". الكلام
ما كان سهل، حتى عمي سلمان
نفسه قال "أنا ما عمري فكرت
بهالشيء بس هي دامها جايه من
نية طيبة وعارفة أهلها وأنهم راح
يزوجونها، ما راح يخلون. هي باقي
صغيرة، ليش لا، ليش ما أتزوجها
وأحمي عيال أخوي". وأبوي لأول مرة
حس إنه القصة ما هي حكاية
زواج، هي حكاية رحمة للأطفال وأمان
للأطفال. مها جلست ببيتها عشر الأيام
مرت، أيام العدة بدون ما تطلع،
بدون ما تتكلم كثير، بس الكل
صار يطالعها بنظرة غريبة. نظرة فيها
حكم كأنها غلطت، كأنها استعجلت، مع
أنها قالت نيتها ما استعجلت. في
يوم أنا دخلت عليها، تخيلوا لقيتها
تقرأ قرآن، وعندها بنتها الصغيرة نائمة
بحضنـ'ـها. قلت لها "كيفك يا مها؟"،
طالعتني وابتسمت قالت "أبشرك بخير وقلبي
مرتاح حتى لو الناس مو عاجبهم
اللي سويته، بس أنا سويت كل
هالشيء عشان عيالي". وقتها حسيت إنه
من جد مها فيها شيء نادر.
ثاني يوم من خلصت عدتها، أبوي
أعلن الخبر للعيال وللعائلة، مها وسلمان
راح يتزوجون رسمي. قريب الكل انصدم
مو من الزواج نفسه بس من
السرعة. أنا كنت أشوفها خطوة جريئة
وشجاعة، الرجال موافق والحرمة واضحة من
أول يوم، الأيتام بيعيشون مع عمهم
اللي يحبهم وفي بيتهم ما راح
يتغير عليهم شيء. وش يبون الناس
الكلام كثير بس مصيرهم راح يسكتون.
الزواج تم، حفلة كبيرة ولا زفة
زواج بسيطة عائلية، وأغلبها رجال. مها
كانت لابسة عباية سوداء، مغطيه وجهها،
عيالها كانوا حولها، ما كانوا متضايقين
شيء، ما كانوا فاهمين لأن كلهم
صغار، أكبرهم عمره أربع سنين. يعني
كل اللي صار ما أخذ منهم
شيء، راح يرجع لهم الأمان، وبكرة
راح يكبروا ويفهموا. عمي سلمان دخل
البيت وضـ'ـم العيال قبل لا يدخـ'ـل
على زوجته، وقال لهم "أبوكم راح،
بس أنا ترى ما راح أكون
بداله. أنا أكون معكم، مو مكانه،
أبوكم راح يكون أبوكم، وأنا عمكم".
الأيام بعد الزواج مشت بهدوء، ما
صار شيء درامي ولا تصادم. عمي
سلمان أساسًا ما كان متزوج، عشان
كذا ما كان في دراما. وسلمان
كانوا متفاهمين كأنهم يعرفون بعض من
سنين. كل اللي حول بدا يغير
نظرته شوي شوي. مرت سنتين وهم
عايشين، ما حد تكلم لأن أبوي
وصى عماتي وأعمامي الثانيين، عيال عماتي،
عيال عماني، ما حد يتكلم بحرف.
عماتي اللي كانوا ينتقدون بعد سنتين
صاروا يقولون "ما هو سلمان، ما
شاء الله عليهم". الله يسعدهم، وإحنا
عارفين إنه اللي بنوه ما جا
بسهولة، بس جا بنية نظيفة وبقرار
جريء. السنتين اللي مرت، كلنا عارفين
إنه مها ما كانت تحاول تنسى
زوجها الأول، كانت تحاول تعيش بكل
احترام تحافظ على صورة عمي اللي
مات الله يرحمه قدام عيالها. ما
تمسح اسمه ولا تنقص من قيمته.
عمي سلمان اللي طول عمره ساكت،
وهادي صار إنسان ثاني بعد
الزواج. بعد السنتين هذه، أنا ما
أعرف إيش صار خلال السنتين هذه
داخل بيتهم لأنه البيوت أسرار، وعمي
سلمان ومها ما يتكلمون، ما يقولون
شيء، بس عمي تغير. غير شخصيته،
هو كان هادي ما يختلط مع
أحد، بس صرت أشوفه يلعب مع
عيال أخوه، يشتري لهم، يهتم بتفاصيلهم
كأنهم عياله. الناس حتى اللي انتقدوا
أول رجعوا يلتمون حول مها وسلمان.
كان شيء ما صار. مو قلت
لكم الناس ينسون. كلام الناس تنمحي.
الناس يتعودون. هذا اللي اكتشفته، إن
الناس أول ما يشوفون شيء مختلف
ينفرون منه، وبعدين إذا مشى الحال
قالوا "أي والله تصرفهم صح". اللي
اكتشفنا إنه خلال السنتين هذه مها
قررت تكمل دراستها لأن هي بعد
ما تزوجت عمي وقفت دراستها، وهي
سنة ثانية جامعة. خلصت دراستها وتوظفت
بعد السنتين، وتوظفت في مدرسة، أبوي
توسط لها، وتوظفت في مدرسة قريبة
من بيتها. صار عندها دخل، صارت
هي تروح لوظيفتها، عمي يروح لشغله
ويرجعون البيت. مها الآن مو بس
أم وزوجة، لا، صارت هي موظفة
وإنسانة لها قيمة. المهم مرت السنين،
كبرنا وكبروا عيال عمي، وصرت أشوف
عمي سلمان من جد كأب فعلي
للعيال، يحضر اجتماعات المدارس، يروح للمستشفيات،
يتابع واجباتهم، يحضر حفلات تخرجهم. ما
أحد كان يقدر يقول إنهم مو
عياله حتى هم نفسهم صاروا ينادونه
"بابا" بدون ما يحسون. وكان إذا
أحد سأله "عيالك؟" يقول "إيه عيالي"،
وما في قلبه تفرقة عن عياله
الحقيقيين، ولا في كلامه، لحظة تردد.
وهذا دليل إن الأبوة مو دايم
بالدم، أحيانًا تكون بالمواقف. عمي سلمان
أثبت مع الوقت إنه مو بس
زوج مها، صار هو عمود البيت.
عيال أخوه صاروا رجال، كل واحد
منهم يقول "لو ما كان عمي
سلمان موجود، حياتنا كانت ممكن تكون
مختلفة". ما عمره حسسهم إنهم عبء
أو تزوج أمهم عشان أبوهم توفى.
أول عيال عمي تخرج من الجامعة،
ويوم التخرج كان في مشهد ما
راح أنساه أبدًا. ولدها نادى عمي
سلمان وقال قدام الناس "هذا أبوي
اللي رباني، وقف معاي، ما غاب
عني ولا يوم". سلمان دمعت عيونه
بس حاول يخفي. ماه كانت تبكي
بدون صوت، وأنا كنت أقول بداخلي
"يا الله كيف واحدة قررت تواجه
الناس بهالجراه". كل عيالها كبروا، كل
واحد فيهم وقف على رجوله بثقة
وبأخلاق عالية وبتربية كويسة. أبوهم الله
يرحمه تركهم أمانة، والحمد لله وصلت
الأمانة وهم بخير. لكن كل شيء
ما يبقى دائم. عمي سلمان بدأ
يتعب، صارت عنده أمراض مزمنة، تعب
في القلب، واحتياج دائم للرعاية. مها
ما تخلت عنه، كانت معاه مثل
ما كان معاها. كانت تهتم فيه،
تدلعه، وتطمن عليه، وتقرأ عليه، وتضحك
له حتى هو تعبان. صار هو
يقول "مها، وجودك عندي أغلى من
العلاج". في يوم عمي سلمان توفى.
ما مات بحادث مثل أخوه، ولا
فجأة، بس بهدوء. مها كانت جنبه
تمسك يده وتقرأ عليه، وتقول "الله
يرضى عليك، ويفتح لك أبواب الرحمة
مثل ما فتحت لي أبواب الحياة".
كانت دمعتها هادئة، بس قلبها كان
مليان وفاء، كانت تبكي بحرقة. ما
شفتها بكَت يوم وفاة عمي الكبير
مثل ما بكَت على عمي سلمان.
ما كانت تبكي لأنها فقدت سند،
كانت تبكي لأنها عاشت هالشعور مرتين.
الناس جو وعزّوها وبكوا معاها. بس
هالمره ما كان في همس ولا
كلام سلبي، الكل عرف من هي
مها، واش قد كانت عظيمة. طول
أيام العزا لسانها يردد "إنا لله
وإنا إليه راجعون". هذا حال الدنيا،
وكلنا على هذا الطريق. ما كانت
تقول شيء ثاني. الآن مها تعيش
لحالها بعد ما كبروا عيالها، وكل
واحد صار له حياته، بس للحين
بيتها مفتوح، الناس تزورها وعيالها يجون
لها يوميًا، وأي أحد ذكر اسمها
يقول "هذه اللي عرفنا منها وش
معنى الوفاء، وشلون تكون النية أقوى
من الظروف". كل بيت فيه واحدة
زي مها ، بس مو الكل
يسمعها أو يفهمها. بس إذا قررت
تقول اللي بخاطرها وتختار بنفسها، تصير
حياة ناس كثير أفضل، لأنها كانت
صادقة مع نفسها قبل أي أحد.
هذه قصة زوجة عمي مها حبيت
أنقلها لكم، ادعوا لها، ادعوا لها
إنه الله يسعدها في الدنيا والآخرة،
الله يرحم أعماقي، والله يخلي لها
عيالها.